وفق تصور وسيط المملكة، لم يعد إصلاح الإدارة، مسألة ترتبط بتغيير الهياكل أو رقمنة الوثائق والمساطر، بل أصبح اختبارا مباشرا لقدرة المرفق العمومي على ضمان حقوق المواطن وتقديم الخدمة في وقتها، بوضوح وإنصاف واستمرارية.
وسيط المملكة، حسن طارق
وفي مذكرة أصدرها الإثنين 24 غشت 2026 بعنوان “«سياسات الإصلاح الإداري والحاجة لحوار عمومي واسع وتموقع حكومي واضح»”، يضع وسيط المملكة إصلاح الإدارة والوظيفة العمومية باعتباره سياسة عمومية أفقية وحقوقية، مستنداً إلى تجربته في معالجة التظلمات وما تكشفه من آثار الاختلالات التنظيمية على تداول الملفات، وتحديد المسؤوليات، واحترام الآجال واستمرارية الخدمات.
عندما يصبح تغيير الهيكلة عبئاً على المواطن
وتولي المذكرة أهمية مركزية لاستمرارية المرفق العمومي، خصوصاً أثناء التغييرات الحكومية أو إعادة توزيع الاختصاصات، محذرة من أن التحولات المؤسساتية قد تؤدي إلى ضياع الذاكرة الإدارية، وتعطيل الملفات، وتعدد المخاطبين وتأخير معالجة التظلمات.
ولهذا تدعو إلى ترتيبات انتقالية تضمن انتقال الملفات والمعطيات والالتزامات وتحدد المسؤولية الإدارية، حتى لا يتحمل المرتفق كلفة إعادة تنظيم الإدارة.
ويربط وسيط المملكة الإصلاح كذلك بالحق في الإدارة الجيدة، ومبادئ الاستمرارية والمساواة والإنصاف والجودة وربط المسؤولية بالمحاسبة، مع تحويل هذه المبادئ إلى حقوق قابلة للقياس عبر مؤشرات تتعلق بسهولة الولوج، وتبسيط المساطر، ووضوح المسؤوليات، وتعليل القرارات، واحترام الآجال وفعالية التظلم.
الرقمنة ليست نهاية الإصلاح
وفي المجال الرقمي، تعتبر المذكرة الرقمنة رافعة مهمة، لكنها ترفض اختزال الإصلاح في تحويل المساطر الورقية إلى منصات إلكترونية، فالخدمة الرقمية، في تصور المؤسسة، لا تحقق غايتها ما لم تكن المسطرة واضحة، والمسؤول محدداً، والأجل معلوماً، والملف قابلاً للتتبع، مع وجود آلية للتظلم والتصحيح.
كما تشدد على مواكبة الفئات التي تواجه صعوبات في استعمال الخدمات الرقمية، لتظل الرقمنة وسيلة لتحسين الخدمة، لا حاجزاً جديداً أمام الولوج إليها.
من عدد المشاريع إلى أثرها على المرتفق
وتقترح المذكرة إرساء منظومة وطنية لتقييم الأداء الإداري تقيس النتائج من منظور المرتفق، بدل الاكتفاء بعدّ المشاريع والإجراءات، وتشمل المؤشرات المقترحة جودة الخدمات، وسهولة الولوج، وسرعة الاستجابة، والإنصاف، ورضا المرتفقين، وفعالية معالجة التظلمات وتنفيذ التوصيات.
كما تدعو إلى جعل إصلاح الإدارة موضوعاً للنقاش العمومي والبرامج الانتخابية، والانتقال من الوعود العامة إلى التزامات قابلة للتتبع والتقييم.
ثماني أولويات لإعادة ترتيب الإصلاح
وتتمحور توصيات وسيط المملكة حول ثمانية اتجاهات: “تموقع حكومي واضح ومستقر” وقيادة أفقية للتنسيق والتتبع؛ دمج الإصلاح مع التبسيط والرقمنة واللامتمركز والتخليق وجودة الخدمات؛ ضمان استمرارية المرفق خلال التغييرات الحكومية؛ حماية الذاكرة المؤسساتية؛ إرساء منظومة وطنية لقياس الأداء؛ توجيه الرقمنة نحو تجربة المرتفق؛ إدراج الإصلاح في النقاش العمومي والبرامج الانتخابية؛ واعتماد مؤشرات أثر واضحة تقيس جودة الخدمات والولوج والآجال والرضا والتظلمات وتنفيذ التوصيات.
الإصلاح يبدأ من تجربة المواطن
وتخلص المذكرة إلى أن إصلاح الإدارة ينبغي أن ينتقل من إصلاح الهياكل والمساطر إلى “إصلاح تجربة المرتفق وفعالية الحقوق”، بما يتطلب قيادة حكومية واضحة، واستقراراً مؤسساتياً، وتنسيقاً بين مختلف الأوراش، ورقمنة موجهة لخدمة المواطن، ونظاماً يقيس الأثر الحقيقي على جودة الخدمات.
وبذلك، يصبح السؤال الذي تطرحه المذكرة عملياً: ليس كم منصة أطلقت الإدارة، ولا كم مسطرة أعيد تنظيمها، بل “هل أصبح المواطن يحصل على حقه بسهولة، وفي أجل معلوم، أمام مسؤول واضح، وبإمكانية فعلية للتظلم والتصحيح؟”