الرئسيةرأي/ كرونيك

أفق ملكي وتنفيذ حكومي: سؤال المسؤولية السياسية

 

بقلم الصحافية: هدى سحلي

في كل الديمقراطيات، تبدو الانتخابات، في أبسط تعريفاتها، لحظة لاختيار الاتجاه السياسي الذي ستسير فيه البلاد.

تعريف بسيط يصطدم في الحالة المغربية بواقع سياسي أكثر تعقيدا

تتنافس الأحزاب حول تصوراتها للمجتمع والاقتصاد والدولة، ويمنح المواطن صوته للمشروع الذي يراه أقرب إلى مصالحه وتطلعاته، ثم تتحمل الحكومة التي أفرزتها الانتخابات مسؤولية تنفيذ البرنامج الذي نالت على أساسه ثقة الناخبين والبرلمان.

لكن هذا التعريف البسيط يصطدم، في الحالة المغربية، بواقع سياسي أكثر تعقيدا.

فالمغرب مقبل على انتخابات تشريعية في سياق أصبحت فيه الاختيارات الكبرى للدولة محددة إلى حد بعيد قبل أن يفتح صندوق الاقتراع.

أوراش موجودة بالفعل  أوجدها  رئيس الدولة

نحن لا نتحدث عن حكومة ستأتي لتقرر من جديد ما إذا كانت الدولة ستتجه نحو الدولة الاجتماعية، التي كرّسها النموذج التنموي الجديد الذي أطلقه الملك سنة 2021 ليمتد لغاية 2035، أو ستعيد هيكلة الاقتصاد الذي خلق له الملك أقطاب في مدينتي الدار البضاء وأگادير، أو ستواصل الاستثمارات الكبرى لتحين المغرب لاستضافة مونديال 2030 الذي احدث له الملك لجنة خاصة، أو ستنخرط في مشاريع استراتيجية مرتبطة بالسيادة المائية والطاقية..!

هذه الأوراش موجودة بالفعل، والذي أوجدها هو رئيس الدولة، وهي غير مرتبطة بولاية حكومية بعينها، وهو ما جرى التأكيد عليه في عدة خطابات ملكية، كان آخرها خطاب عيد العرش الأخير، الذي تم التأكيد فيه على أن المنجزات الكبرى هي ثمرة مسار تراكمي يتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني، الملك يتحدث هنا عن الأوراش الكبرى التي أطلقها منذ حكومة التكنوقراط برئاسة إدريس جطو، التي أبعدت الراحل عبد الرحمان اليوسفي الذي كان حزبه قد تبوأ الصدارة في الانتخابات التشريعية لسنة 2002، فأشهر الاتحاد الاشتراكي وقتها ورقة الخروج عن المنهجية الديمقراطية ، إلى أن جاء دستور 2011 الذي حذف الوزارة الأولى ليعوّضها بمؤسسة رئيس الحكومة الذي يعينه الملك من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها.

الملك يعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها

وزاد الفصل 47 يقول أن الملك يعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها، أن للملك، بمبادرة منه، بعد استشارة رئيس الحكومة، أن يعفي عضوا أو أكثر من أعضاء الحكومة من مهامهم.

لنعد لخطاب العرش المعلوم الذي نسب كل ما تحقق للتوجيهات الملكية التي تتلقاها الحكومات في اجتماعات المجالس الوزارية، حيث أكد الملك أن المرحلة المقبلة ينبغي أن تكون مرحلة مواصلة المشاريع والإصلاحات الكبرى التي عددها الملك أكثر من مرة في خطاباته. وهنا تبدأ المسألة السياسية الحقيقية.

إذا كانت الدولة قد حددت جزءا مهما من وجهتها الاستراتيجية، فما الذي ستتنافس عليه الأحزاب في انتخابات 2026؟ ليس السؤال استفزازا لغويا، إنه سؤال حول معنى التفويض الانتخابي نفسه.

من اختيار المشروع إلى تدبير المشروع: لا يعني ذلك أن الحكومة المقبلة ستكون بلا سلطة، أو أن البرلمان سيتحول قانونا إلى مؤسسة تنفيذية، مثل هذا الاستنتاج سيكون تبسيطا لا يخدم النقاش، المسألة أكثر عمقا، لان الأحزاب تعي أن التنافس على رئاسة الحكومة أو المشاركة في تشكيلها ضمن أغلبية سيجري داخل حدود استراتيجية أصبحت مرسومة سلفا.

تحول ليس تفصيلا تقنيا إنه تحول في طبيعة السياسة نفسه

وهنا يتحول السؤال من: ما المشروع الذي نريد؟ إلى كيف سننفذ المشروع الموجود؟ ومن سيستفيد منه؟ وكيف سنعيد توزيع ثماره؟ وما الذي سنغير في طرق تنزيله؟ وهذا التحول ليس تفصيلا تقنيا، إنه تحول في طبيعة السياسة نفسها.

فإذا كانت الاختيارات الاستراتيجية الكبرى قد أصبحت، إلى حد بعيد، جزءا من أجندة الدولة، فإن وظيفة اليسار هي طرح السؤال الاجتماعي والسياسي الذي لا تجيب عنه المشاريع المذكورة في حد ذاتها، ولا أدلّ على ذلك، العدد الكبير من الاحتجاجات والمقاطعات داخل وخارج وسائل التواصل الاجتماعي، والتي كان آخرها خروج شباب جيل زد مدعوما بكل شرائح ومكونات الشعب المغربي ما دفع الملك إلى التفاعل مع مطالبهم من خلال الرفع من الميزانيات المخصصة للتعليم والصحة وتحفيز الشباب للمشاركة في الحياة السياسية بتخصيص دعم مالي وانتزاع الإشراف على الانتخابات من رئيس الحكومة ليكلف بها وزير الداخلية وإخراج قانون انتخابات جديد لمنع من أسماهم وزير الداخلية ب《المشبوهين》من العودة للمناصب التي عاتوا فيها فسادا.

تخصيص الملك ل 210 مليار درهم خلال المجلس الوزاري المنعقد في أبريل 2026

والأهم من ذلك هو تخصيص الملك ل 210 مليار درهم خلال المجلس الوزاري المنعقد في أبريل 2026 لتقليص الفوارق المجالية وتحسين ظروف عيش المواطنين.

وهذا البرنامج بدوره منع الملك الأحزاب تصريفه من طرف الحكومة المقبلة وأحاله على وزارة السيادة في شخص وزير الداخلية.

الادهى من كل ذلك انه خصص له ثمان سنوات (2026- 2034) التي تتعدى الزمن الحكومي للحكومة المقبلة.

وحين لا تكون أمام الأحزاب إمكانية إعادة تعريف الوجهة الكبرى للدولة في كل انتخابات، يصبح البرنامج الانتخابي مطالبا بأن يكون أكثر من قائمة وعود، أن يكشف بوضوح أي مجتمع تريد القوى السياسية أن تنتج داخل هذه الاختيارات، ولصالح من ستوجه ثمارها، وكيف ستوزع كلفتها ومنافعها.

عندها يصبح السؤال عن أولويات الإنفاق العمومي، وعن توزيع الثروة والسلطة، وعن العدالة الاجتماعية والمجالية، وعن موقع الخدمات العمومية، وعن علاقة الدولة بالمواطن، وعن حدود السوق ودور الدولة، جزءا من صلب التنافس السياسي، لا هامشا عليه.

وهنا تحديدا تستعيد المعارضة اليسارية معناها السياسي وهنا مجال تنافسها.

وبهذا المعنى، لا يكون اليسار مجرد قوة تعترض على ما هو قائم، بل قوة سياسية تسعى إلى إعادة تعريف معنى التنمية نفسها: من تنمية تقاس بحجم الأوراش والاستثمارات إلى تنمية تقاس أيضا بما تحدثه من تغيير في حياة الناس، وبما تنتجه من عدالة ومساواة وكرامة.

لكن الانتقال من سؤال الاختيارات إلى سؤال التدبير يطرح مسألة أخرى لا تقل أهمية: مسألة النخب السياسية. فإذا كان الذين سيتنافسون على تنفيذ جزء مهم من هذه الاختيارات الاستراتيجية هم، في النهاية، نفس الطبقة السياسية التي عبّر الملك نفسه، في خطاب موجه إلى الأمة، أنه والمواطنين لا يثقون فيها، وإذا كان الحقل الحزبي ما يزال يعاني من ظاهرة الترحال السياسي، ومن فضائح تضارب المصالح، ومن قضايا الفساد التي تورط فيها برلمانيون ووزراء، وإذا كانت الممارسات المرتبطة بالمال الانتخابي واستعمال النفوذ قد ظلت، إلى اليوم، أحد العوامل التي تعيق وصول قوى سياسية، ومنها قوى اليسار، إلى الصدارة؛ فبأي نخب سندبّر هذه الاختيارات الاستراتيجية؟ وبأي قدر من الكفاءة والنجاعة، والأهم بأي قدر من النزاهة والعدالة وخدمة الصالح العام؟

ثم ما الذي سيحول، في ظل استمرار هذه الممارسات، دون إعادة إنتاج نفس الاختلالات داخل الأوراش الجديدة؟ وما الذي سيضمن ألا تتحول المشاريع والاستثمارات العمومية الكبرى إلى مجال جديد لخدمة شبكات المصالح والنفوذ بدل أن تكون رافعة للعدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة؟

فإذا كانت الدولة قد حددت الوجهة، وإذا كانت الحكومة المقبلة ستتولى أساسا تنزيل الاختيارات الاستراتيجية لهذه الوجهة، فإن مسؤوليتها لا يمكن أن تختزل في مجرد إعلان برنامج حكومي جديد، كما لا يمكن في المقابل أن تختفي خلف عبارة «تنفيذ التوجيهات».

التنفيذ نفسه قرارا سياسيا

لأن التنفيذ نفسه قرار سياسي: اختيار الأولويات، وتحديد السرعة، وتوزيع الموارد، وتحديد المستفيدين، وتصحيح الاختلالات، وتحمل نتائج السياسات العمومية، ولنا في حكومة بنكيران مثال على ذلك.

لكن، في الاتجاه المقابل، فإن من يحدد الوجهة الاستراتيجية لا يمكن أن يكون خارج سؤال المسؤولية السياسية عن هذه الوجهة.

وهنا ينبغي التمييز بين مستويين من المسؤولية: مسؤولية الحكومة عن التنفيذ، ومسؤولية المؤسسة التي تحدد الاختيارات الاستراتيجية عن سلامة هذه الاختيارات وعن اختيار القيادة القادرة على تنزيلها.

فإذا تعثرت حكومة في تنفيذ مشروع قائم، فإنها تتحمل مسؤوليتها السياسية والدستورية عن ذلك. أما إذا أصبح التعثر متصلا بطبيعة الاختيار نفسه، أو بترتيب الأولويات، أو بغياب الانسجام بين حجم الطموحات والوسائل الموضوعة لتحقيقها، فإن السؤال يتجاوز الحكومة وحدها ليصل إلى مستوى صناعة القرار الاستراتيجي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى