الرئسيةسياسة

أخنوش يناور بالتسريب ويتهرب من الحصيلة

تكشف المواجهة المتصاعدة بين حزبي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة عن مفارقة سياسية يصعب تجاهلها: الحزبان اللذان يخوضان اليوم سباقا محتدما على قيادة المشهد الانتخابي كانا معا في قلب السلطة وتدبير المرحلة السابقة، وشاركا في صناعة القرارات والسياسات التي يدفع المغاربة كلفتها اليوم.

مفارقة تجعل التنافس بين «الأحرار» و«البام» يتجاوز حدود الصراع الانتخابي المعتاد

وبينما يتجه الحزبان إلى تقديم نفسيهما باعتبارهما أصحاب مشاريع وحلول للمرحلة المقبلة، تظل أسئلة الحصيلة السابقة حاضرة بقوة، خصوصا في ظل ارتفاع المديونية وتزايد الضغوط على القدرة الشرائية واستمرار أزمات الصحة والتعليم والتشغيل.

وهي مفارقة تجعل التنافس بين «الأحرار» و«البام» يتجاوز حدود الصراع الانتخابي المعتاد، ليطرح سؤالا أكبر: كيف تتحول القوى التي كانت في موقع تدبير المرحلة إلى قوى تتنافس اليوم على تقديم أجوبة عن اختلالات تلك المرحلة نفسها؟

في هذا السياق المشحون، اختار الرئيس السابق لحزب التجمع الوطني للأحرار ورئيس الحكومة، عزيز أخنوش، الرد على الجدل الذي أثاره التسريب المنسوب إلى رشيد الطالبي العلمي من داخل اجتماع المكتب السياسي للحزب، من خلال الدفاع عن حرمة النقاش الداخلي للمؤسسات الحزبية.

أخنوش: النقاش الذي يجري داخل المكاتب السياسية للأحزاب «له حرمته»

وقال أخنوش، خلال لقاء حزبي بمدينة وجدة، إن النقاش الذي يجري داخل المكاتب السياسية للأحزاب «له حرمته»، معتبرا أن فقدان هذه الحرمة يعني، في نظره، فقدان السياسة جزءا من معناها.

ولم يتعامل أخنوش مع مضمون التسريب باعتباره واقعة تستوجب النفي أو التبرير، بل اعتبر أن ما قاله الطالبي العلمي لم يكن سوى تعبير عن «صورة يعيشها المغاربة»، مؤكدا أن النقاش داخل حزب التجمع الوطني للأحرار مفتوح وحر وديمقراطي.

وأوضح أن الأحزاب السياسية مؤسسات، وأن مكاتبها السياسية تضطلع بأدوار أساسية في صناعة القرار، وبالتالي فإن النقاش الذي يدور داخلها يظل شأنا يخص أعضاءها، مشددا على ضرورة الحفاظ على حرمة هذه الاجتماعات.

وفي دفاعه عن الطالبي العلمي، اعتبر أخنوش أن رئيس مجلس النواب والقيادي في الحزب راكم «حصيلة مشرفة» خلال مساره السياسي، في محاولة لوضع الجدل الذي خلفته التسريبات في سياقه الحزبي والسياسي، بدل تحويله إلى مواجهة مفتوحة حول مضمون ما قيل.

وأكد في المقابل أن حرية النقاش داخل الحزب لا تعني غياب الانضباط التنظيمي، موضحا أن «النقاش حر وديمقراطي»، لكن القرار الذي يتم التوصل إليه يصبح ملزما للجميع، وهي، بحسب تعبيره، فلسفة العمل داخل الحزب.

من التسريب إلى المعركة الانتخابية

غير أن توقيت هذا الجدل لا يبدو منفصلا عن التحولات التي يعرفها المشهد السياسي مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، حيث بدأت الخلافات بين مكونات الأغلبية تأخذ طابعا أكثر وضوحا، وانتقل التنافس من مستوى البرامج والخطاب السياسي إلى مستوى المرشحين والمواقع والحصيلة.

وفي هذا السياق، اعتبر أخنوش أن المرحلة الحالية «جد مهمة»، مؤكدا أن تقديم البرامج الانتخابية في وقت مبكر يمثل، بالنسبة إليه، تعبيرا عن الشجاعة السياسية، لأنها تتيح إخضاعها للنقاش العمومي بدل انتظار اللحظات الأخيرة التي تسبق الاقتراع.

ودافع رئيس الحكومة عن حصيلة حكومته، مستشهدا بالأرقام الاقتصادية، حيث أشار إلى بلوغ معدل النمو 5.3 في المائة خلال السنة الحالية، مقابل استقرار التضخم في حدود 0.3 في المائة.

كما شدد على أن حماية القدرة الشرائية شكلت أحد محاور برنامج الحزب، مقدما ما اعتبره إجراءات وسياسات اتخذتها الحكومة في هذا المجال.

وفي قطاعي الصحة والتعليم، تحدث أخنوش عن حصيلة وصفها بالمشرفة، معتبرا أن الحكومة عملت على تحسين الخدمات وتطوير القطاعين، وربط هذه النتائج بما وصفه بالثقة التي يحظى بها الحزب لدى المواطنين وبالعمل الذي قامت به الحكومة.

ولم يكتف أخنوش بالدفاع عن الحصيلة، بل دعا إلى مواصلة النهج نفسه من أجل «إكمال مسار النجاح» الذي يقول إن حزب التجمع الوطني للأحرار قطعه خلال المرحلة السابقة.

كما قدم البرنامج الانتخابي للحزب باعتباره يتضمن أجوبة عن عدد من الملفات التي تشغل المغاربة، وفي مقدمتها غلاء المعيشة، والصحة والتعليم، والبطالة.

حين تصبح الحصيلة نفسها ساحة المعركة

لكن المعركة الانتخابية المقبلة تضع هذه الوعود أمام امتحان أكثر صعوبة؛ ذلك أن الناخب لا يواجه أحزابا تقدم نفسها للمرة الأولى، وإنما قوى سياسية كانت حاضرة في موقع القرار، وبالتالي فإن تقييم البرامج الجديدة لن يكون منفصلا عن تقييم ما تحقق خلال السنوات الماضية.

وهنا تحديدا تكمن المفارقة التي تمنح الصراع بين «الأحرار» و«البام» دلالته السياسية الأوسع: كلاهما كان جزءا من منظومة تدبير المرحلة السابقة، وكلاهما شارك، بدرجات مختلفة، في صناعة قراراتها واختياراتها، بما فيها تلك التي ينتقدها المواطنون اليوم بسبب آثارها الاجتماعية والاقتصادية.

ومن ثم، فإن السؤال الذي سيلاحق الخطاب الانتخابي للحزبين لن يكون فقط: ماذا ستفعلان في المرحلة المقبلة؟ بل أيضا: ماذا فعلتما عندما كنتما في موقع القرار؟ ومن يتحمل مسؤولية الاختيارات التي قادت إلى ارتفاع المديونية، وضغط المعيشة، واستمرار أزمات البطالة والصحة والتعليم؟

وبذلك، قد لا تكون المواجهة الحقيقية بين «الأحرار» و«البام» مجرد سباق على صدارة الانتخابات، وإنما صراعا على رواية المرحلة السابقة نفسها: من يملك حق تقديم نفسه باعتباره صاحب الحل، ومن سيُطلب منه أولا تقديم الحساب عن سنوات كان فيها شريكا في صناعة القرار؟

وهذه هي المفارقة الأكبر في المشهد: أن من يدبرون المرحلة السابقة هم أنفسهم من يطلبون اليوم تفويضاً جديداً لمعالجة نتائج تلك المرحلة، وأن التنافس بين الحزبين قد يتحول، في النهاية، من معركة حول المستقبل إلى معركة حول من يتحمل مسؤولية الماضي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى