
الاستقلال يبيع «المستقبل».. لكن أين ذهبت حصيلة الحكومة؟
ليس السؤال الأهم في برنامج حزب الاستقلال الجديد هو ماذا وعد المغاربة، وإنما لماذا يقدم الحزب هذه الوعود الآن، ومن يتحمل مسؤولية السنوات التي مضت؟
فالحزب الذي قدم برنامجه الانتخابي للفترة 2026-2031 تحت شعار «وطني.. مستقبلي»، ووضع على الطاولة وعوداً بدعم الزواج، ومحاربة الريع، وتحسين القدرة الشرائية، وتقوية الصحة والتعليم وتعزيز السيادة الاقتصادية، ليس حزباً قادماً من خارج المشهد الحكومي.
إنه أحد المكونات الرئيسية للأغلبية التي قادت الحكومة الحالية، وشارك في تدبيرها وتحمل مسؤولياتها وحقائبها وقراراتها. وقد كان حزب الاستقلال، إلى جانب التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، أحد أطراف ميثاق الأغلبية الحكومية الموقع سنة 2021.
وهنا تبدأ المفارقة السياسية: كيف يتحول الشريك في تدبير الحاضر إلى صاحب وعود بمواجهة مشكلات الحاضر نفسه؟
من الشراكة الحكومية إلى «البرنامج البديل»
يقدم حزب الاستقلال نفسه اليوم، مع اقتراب الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، باعتباره صاحب مشروع جديد لإصلاح الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية.
لكن البرنامج يطرح سؤالاً سياسياً يصعب القفز عليه: إذا كان الغلاء، والريع، وضعف القدرة الشرائية، واختلال الخدمات العمومية، ومشاكل الشباب، وتضارب المصالح، كلها تستدعي حلولاً جديدة، فلماذا لم تتحول هذه الحلول إلى سياسات حكومية خلال الولاية التي كان الحزب جزءاً أساسياً منها؟
المفارقة أن بعض ما يقترحه الحزب اليوم يبدو وكأنه برنامج لتصحيح اختلالات مرحلة شارك هو نفسه في إنتاج قراراتها أو الدفاع عنها أو الصمت بشأنها.
وهذا ما يجعل البرنامج الانتخابي الجديد أقرب إلى محاولة لفصل الحزب عن حصيلة الحكومة، قبل أن تبدأ صناديق الاقتراع في محاسبته مع بقية مكونات الأغلبية.
5 آلاف درهم للزواج.. ووعود كبيرة في مواجهة واقع ثقيل
في الجانب الاجتماعي، يضع الاستقلال الأسرة في واجهة برنامجه، مقترحاً دعماً مالياً يصل إلى 5 آلاف درهم للشباب المقبلين على الزواج، ومنحة للانطلاقة الأسرية للمساهمة في السكن والتجهيزات الأساسية.
كما يقترح عطلة مرنة لرعاية الأطفال، وإدماج الصحة النفسية في منظومة التأمين الإجباري عن المرض، ودعم الأسر التي ترعى كبار السن والأشخاص في وضعية إعاقة.
كل ذلك يبدو جذاباً انتخابياً، لكنه يعيد السؤال نفسه إلى الواجهة: ماذا كان الحزب يفعل داخل الحكومة بينما كانت كلفة المعيشة تضغط على الأسر والطبقة الوسطى؟
فالمغربي الذي سيُطلب منه التصويت على هذه الوعود لن ينظر فقط إلى الأرقام الجديدة، بل سيقارنها بما عاشه خلال السنوات الماضية.
«صفر تسامح» مع الفساد.. وماذا عن الريع الذي كان تحت نظر الحكومة؟
الأكثر إثارة للانتباه أن الحزب يرفع شعار «صفر تسامح مع الفساد وتضارب المصالح»، ويقترح قانوناً لتضارب المصالح، وتصريحاً بالممتلكات ذي أثر فعلي، وضريبة تصل إلى 40 في المائة على الأنشطة المستفيدة من الريع أو الاحتكار.
كما يريد الانتقال من منطق الرخص والامتيازات إلى دفاتر تحملات شفافة، وتفعيل قاعدة «سكوت الإدارة بمثابة موافقة».
لكن هذا المحور تحديداً يضع الحزب أمام امتحان سياسي صعب.
فالريع لم يظهر ليلة إعلان البرنامج، والفساد ليس اكتشافاً انتخابياً جديداً، وتضارب المصالح لم يكن مجهولاً طوال الولاية الحكومية.
بل إن النقاش حول الدعم العمومي لبعض الأنشطة والفاعلين تحول خلال الولاية إلى مادة للصراع داخل الأغلبية نفسها، وبرزت خلافات علنية بين قيادات من الاستقلال والتجمع الوطني للأحرار حول أرقام الدعم وطريقة تدبيره. وقد اعتبر محللون آنذاك أن انتقال حزب الاستقلال إلى انتقاد الحكومة من الداخل مرتبط بالاستعداد المبكر لانتخابات 2026.
الاستقلال يكتشف القدرة الشرائية قبل الانتخابات
يعد الحزب برفع الحد الأدنى للأجور والمعاشات، وتحسين الدخل الصافي للأسر، ومراقبة هوامش الربح، وتقوية مجلس المنافسة، وإطلاق «عقد اجتماعي للخروج من الفقر».
لكن هذه الوعود تفتح ملفاً أكثر إحراجاً: إذا كانت القدرة الشرائية في حاجة إلى كل هذه الإجراءات، فلماذا لم تكن أولوية حكومية بالقدر نفسه خلال السنوات التي كان فيها الاستقلال شريكاً في القرار؟
وهنا تظهر إحدى أكثر مفارقات الحملة الانتخابية وضوحاً: الأحزاب الحكومية تبدأ، مع اقتراب الانتخابات، في اكتشاف نقاط ضعف الحكومة التي كانت جزءاً منها.
وهذه ليست ظاهرة خاصة بالاستقلال وحده؛ فقد سبق أن رصدت تحليلات سياسية مغربية ظاهرة محاولة أحزاب الأغلبية وضع مسافة بينها وبين الحصيلة الحكومية، خصوصاً عندما تكون النتائج الاجتماعية موضع انتقاد.
دولة الرعاية.. بعد سنوات من تدبير الدولة
في الصحة، يقترح الحزب وكالة وطنية للمستعجلات، ورقماً وطنياً موحداً، وتكوين 2000 طبيب مستعجلات في أفق 2031.
وفي التعليم، يتعهد بتعميم التعليم الأولي المجاني، وبرنامج «آفاق» الذي يمنع بقاء أي شاب خارج الدراسة أو التكوين أو العمل أو المواكبة لأكثر من ستة أشهر.
أما رقم «100 ألف موهبة رقمية»، فيقدم نفسه كرهان لتحويل الشباب إلى قوة عاملة رقمية قادرة على تصدير الخدمات إلى الخارج.
كلها أفكار قابلة للنقاش، لكن المعضلة السياسية ليست في جاذبية المقترحات، وإنما في المسؤولية عن عدم إنجاز ما كان ممكناً إنجازه خلال الولاية السابقة.
فالحزب لا يقدم نفسه هنا كمعارضة تحمل مشروعاً مضاداً للحكومة، وإنما كحزب كان داخل الحكومة ثم يطلب من الناخبين منحه فرصة جديدة لتنفيذ ما لم ينفذه، أو لم يستطع فرضه، خلال الولاية الحالية.
«الماء أولاً».. و«السيادة» عنوان المرحلة المقبلة
ينتقل الحزب في المحور الخامس إلى لغة استراتيجية أكبر: الماء، والغذاء، والطاقة، والدواء، والبيانات، والصناعة.
ويقترح مخزوناً استراتيجياً من المحروقات والحبوب والأدوية، وربط الدعم الفلاحي بالبصمة المائية، وفرض محتوى محلي بنسبة 50 في المائة في المشاريع الطاقية العمومية، ومنح «القيمة المنتجة بالمغرب» وزناً مهماً في الصفقات العمومية.
بل يذهب أبعد من ذلك باقتراح شركة وطنية للملاحة التجارية تتولى نقل 30 في المائة من الواردات الاستراتيجية.
هنا يحاول حزب الاستقلال أن يرفع النقاش من القدرة الشرائية اليومية إلى سؤال استقلال القرار الاقتصادي.
لكن مرة أخرى، يبقى السؤال السياسي قائماً: هل يتعلق الأمر بمشروع جديد فعلاً، أم بإعادة صياغة انتخابية لأفكار كان يفترض أن تكون جزءاً من السياسات العمومية لحكومة شارك الحزب في تدبيرها؟
السؤال الذي لا يجيب عنه البرنامج
البرنامج مليء بالأرقام: 5 آلاف درهم للزواج، 40 في المائة ضريبة على الريع، 2000 طبيب مستعجلات، 100 ألف موهبة رقمية، 50 في المائة محتوى محلي في الطاقة، 30 في المائة من الواردات عبر أسطول تجاري وطني.
لكن الرقم الغائب هو حجم المسؤولية السياسية للحزب عن الحصيلة الحكومية التي يشارك فيها.
فالأغلبية ليست فقط منصة للوصول إلى السلطة، والحكومة ليست مجرد مجموعة وزراء ينتمون إلى أحزاب مختلفة. في الديمقراطيات البرلمانية، التحالف الحكومي يفترض التضامن في القرار وتحمل المسؤولية المشتركة عن النتائج، وهو ما أثاره محللون مغاربة صراحة عند انتقال حزب الاستقلال إلى انتقاد بعض سياسات الحكومة من داخلها.
لذلك فإن المعركة الانتخابية المقبلة لن تكون فقط حول سؤال: ماذا سيقدم حزب الاستقلال للمغاربة بين 2026 و2031؟
بل ستدور أيضاً حول سؤال أكثر إزعاجاً:
ماذا قدم حزب الاستقلال للمغاربة خلال السنوات التي كان فيها جزءاً من الحكومة؟
وهنا تحديداً يصطدم شعار «وطني.. مستقبلي» بثقل الماضي القريب.
من يتحمل الحصيلة؟
الحزب يريد أن يدخل الانتخابات بوجه جديد: مدافعاً عن الأسرة، ومحارباً للريع، وحاملاً للطبقة الوسطى، ومطالباً بدولة اجتماعية قوية، ومدافعاً عن السيادة الاقتصادية.
لكن الناخب قد يطرح سؤالاً أبسط وأكثر قسوة:
أين كان هذا الحزب عندما كانت هذه الملفات تُدار داخل الحكومة؟
فإذا كانت الحصيلة جيدة، فله أن ينسب لنفسه نصيباً منها باعتباره شريكاً في الأغلبية.
وإذا كانت الحصيلة سيئة، فلا يمكنه أن يتحول فجأة إلى مراقب خارجي لها.
لا يمكن للحزب أن يكون حكومياً عندما يتعلق الأمر بالمناصب والقرار، ومعارضاً عندما يتعلق الأمر بالحصيلة والمحاسبة.
وهذه هي العقدة السياسية الحقيقية التي يواجهها حزب الاستقلال في انتخابات 2026: ليس إقناع المغاربة بأن لديه برنامجاً للمستقبل فقط، وإنما إقناعهم أيضاً بأنه لا يهرب من ماضيه الحكومي القريب، ولا يتنصل من مسؤوليته عن حصيلة الأغلبية التي كان أحد أعمدتها.





