
لم يكن حزب الأصالة والمعاصرة بحاجة إلى كثير من الإشارات حتى يثير تأجيل ندوته الصحافية أسئلة سياسية تتجاوز مجرد تغيير موعد لقاء إعلامي.
فالانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر لم تفرز فقط ترتيبا جديدا داخل مجلس النواب، بل وضعت الأحزاب، منذ الساعات الأولى لإعلان النتائج، أمام حسابات جديدة تتعلق بالموقع داخل الخريطة السياسية المقبلة.
وفي الوقت الذي أعلنت فيه وزارة الداخلية النتائج المؤقتة، متصدراً «البام» بـ97 مقعداً، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66 والاستقلال بـ65، مع صعود لافت للعدالة والتنمية إلى 54 مقعداً، كان منتظراً أن يخرج حزب «الجرار» سريعاً لتقديم قراءته للنتيجة.
لكن ما حدث كان مختلفاً.
فبدل ندوة صحافية لإعلان الحصيلة، ظهر سمير كودار، رئيس قطب التنظيم وعضو اللجنة الوطنية للانتخابات بالحزب، ليعلن بشكل مفاجئ تأجيل اللقاء، طالبا من الصحافيين والحاضرين مغادرة مقر الحزب، ومحددا موعدا جديدا للندوة. والأكثر إثارة لم يكن التأجيل في حد ذاته، وإنما العبارة التي اختصر بها كودار موقفه: «القرار يتجاوزنا».
هذه الجملة، أكثر من التأجيل نفسه، هي التي تفتح باب الأسئلة.
ماذا يعني أن يكون القرار «يتجاوزنا» داخل حزب يستعد لتقديم حصيلة انتخابات تصدر فيها النتائج المؤقتة وطنياً؟ ومن اتخذ القرار؟ ولماذا لم يكن بمقدور قيادة الحزب، أو اللجنة الوطنية للانتخابات، تقديم تفسير واضح للرأي العام وللصحافيين الذين حضروا في الموعد؟
لا توجد، إلى حدود الآن، معطيات علنية كافية تسمح بالجزم بسبب التأجيل، ولذلك سيكون من السابق لأوانه تحويل الارتباك الظاهر إلى استنتاج سياسي نهائي، لكن في السياسة، كما في الإعلام، أحيانا تكون صيغة الإعلان نفسها مادة للخبر.
واللافت أن التأجيل يأتي في لحظة دقيقة بالنسبة إلى «البام».
فالصدارة الوطنية بـ97 مقعدا تبدو، في ظاهرها، نتيجة قوية، لكنها لا تلغي أن الخريطة التي أفرزتها صناديق الاقتراع أكثر تعقيدا من مجرد إعلان الحزب متصدراً للانتخابات.
كما أن الصعود الكبير للعدالة والتنمية، الذي انتقل من 13 مقعداً في انتخابات 2021 إلى 54 مقعداً وفق النتائج المؤقتة المعلنة، أعاد إدخال الحزب بقوة إلى الحسابات البرلمانية.
ومن هنا تكتسب الرواية المتداولة داخل «البام» بشأن «إرباك» بعض الحسابات بسبب نتائج العدالة والتنمية أهمية، باعتبارها رواية منسوبة إلى عضوة في الحزب طلبت عدم الكشف عن هويتها، وليست تفسيراً رسمياً صادراً عن القيادة. وهي، بهذا المعنى، تظل واحدة من القراءات الممكنة لما يجري، لا حقيقة محسومة.
لكن السؤال الأعمق ربما لا يتعلق فقط بما إذا كانت نتائج «البيجيدي» قد أربكت حسابات «البام» أم لا، بل بما إذا كانت الساعات الفاصلة بين إعلان النتائج وعقد الندوة تكشف عن حسابات أخرى لم تظهر بعد إلى العلن.
فالانتخابات انتهت، لكن السياسة بدأت الآن.
وإذا كان «البام» قد تصدر النتائج المؤقتة، فإن تصدر الانتخابات لا يعني بالضرورة أن كل شيء حُسم سياسياً. فالأرقام شيء، وما ستنتجه هذه الأرقام من تموقعات وتحالفات وتوازنات شيء آخر. وفي هذه المنطقة بالذات، تصبح كل إشارة، وكل تأجيل، وكل عبارة غير مكتملة، قابلة لأن تحمل أكثر من معنى.
لذلك، فإن عبارة «القرار يتجاوزنا» ليست مجرد جملة عابرة قالها مسؤول حزبي أمام الصحافيين. إنها، إلى أن يقدم الحزب تفسيره، علامة استفهام كبيرة معلقة فوق ندوة تأجلت في اللحظة التي كان يفترض أن تكون فيها الصورة أوضح.
والآن، الكرة في ملعب «البام»: ماذا كان القرار الذي «يتجاوزهم»؟ ومن اتخذه؟ ولماذا احتاج الحزب إلى مزيد من الوقت قبل أن يتحدث عن نتائج انتخابات تصدرها رسمياً؟
الإجابة عن هذه الأسئلة قد تكون أهم من مجرد إعلان عدد المقاعد التي حصل عليها الحزب.




