
لم تكن انتخابات 23 شتنبر 2026 مجرد محطة لتجديد أعضاء مجلس النواب، بل أفضت، وفق النتائج المؤقتة المعلنة، إلى إعادة ترتيب واضحة لموازين القوة بين الأحزاب الكبرى.
الصدارة انتقلت من التجمع الوطني للأحرار إلى الأصالة والمعاصرة، فيما عاد حزب العدالة والتنمية بقوة إلى واجهة المشهد البرلماني، بينما فقد حزبا الأحرار والاستقلال عشرات المقاعد مقارنة بنتائج 2021.
لكن خلف هذه الأرقام، تبرز صورة أكثر تعقيدا: الأحزاب الثلاثة التي شكلت الأغلبية الحكومية خلال الولاية المنتهية لم تعد تمتلك الوزن البرلماني نفسه الذي خرجت به من انتخابات 2021، رغم احتفاظها، وفق النتائج المؤقتة، بأغلبية عددية.
البام أولاً.. والأحرار يدفعون فاتورة التراجع
أبرز تغيير في قمة الخريطة البرلمانية هو انتقال حزب الأصالة والمعاصرة إلى المرتبة الأولى.
فالحزب الذي حصل على 87 مقعدا في انتخابات 2021 رفع رصيده إلى 97 مقعدا في النتائج المؤقتة لانتخابات 2026، مضيفا عشرة مقاعد إلى رصيده.
في المقابل، تلقى التجمع الوطني للأحرار الضربة العددية الأكبر بين الأحزاب الثلاثة الكبرى. فبعد تصدره انتخابات 2021 بـ102 مقعد، تراجع في النتائج المؤقتة الحالية إلى 66 مقعدا، أي بفقدان 36 مقعدا.
وبذلك انقلب المشهد الذي أفرزته انتخابات 2021: الأحرار لم يعودوا الحزب الأول، والبام لم يعد الحزب الثاني.
هذه هي الحقيقة الرقمية الأولى التي تفرضها نتائج 23 شتنبر.
الاستقلال يحافظ على المركز.. ويخسر من رصيده
حزب الاستقلال حافظ على موقعه في المرتبة الثالثة، لكنه لم يحافظ على حجمه السابق.
فقد انتقل من 81 مقعدا في انتخابات 2021 إلى 65 مقعدا في النتائج المؤقتة الحالية، بخسارة 16 مقعدا.
وبالتالي، فإن مكونات الأغلبية الحكومية السابقة لم تتحرك في اتجاه واحد: البام تقدم بعشرة مقاعد، بينما خسر الأحرار 36 والاستقلال 16.
والحصيلة الإجمالية أكثر دلالة: الأغلبية التي كانت تتوفر على 270 مقعدا عقب انتخابات 2021 أصبحت، وفق النتائج المؤقتة، تتوفر على 228 مقعدا.
أي أنها خسرت 42 مقعدا.
البيجيدي.. العودة التي قلبت حسابات 2021
لكن الرقم الأكثر إثارة للانتباه لا يوجد في قمة الترتيب، وإنما في الجهة التي عاد منها حزب العدالة والتنمية.
من 13 مقعدا فقط في انتخابات 2021 إلى 54 مقعدا في النتائج المؤقتة لـ2026.
زيادة بـ41 مقعدا، وانتقال من المرتبة الثامنة إلى الرابعة.
هذه ليست مجرد زيادة عددية عابرة؛ فهي تعني أن الحزب الذي بدا، بعد انتخابات 2021، في أضعف وضع برلماني منذ سنوات، عاد ليصبح رقما لا يمكن تجاهله عند قراءة الخريطة الجديدة.
لكن من الضروري هنا الفصل بين العودة العددية وبين أي استنتاج سياسي أوسع حول موقع الحزب في المشهد المقبل. فالمقاعد شيء، وترجمة هذه المقاعد إلى نفوذ حكومي أو برلماني شيء آخر.
ماذا تقول خسارة الأغلبية؟
هنا يبدأ التحليل.
الرقم الذي يستحق التوقف عنده ليس فقط أن البام أصبح أولا، وإنما أن مكونات الأغلبية السابقة مجتمعة فقدت 42 مقعدا.
هذا التحول لا يعني، في حد ذاته، سقوط الأغلبية أو انتقال السلطة إلى معسكر آخر؛ فالنتائج المؤقتة تمنح الأحزاب الثلاثة مجتمعة 228 مقعدا.
لكنها تعني أن ميزان القوة داخل هذه الأغلبية تغير بصورة واضحة.
الأحرار، الذين قادوا الحكومة المنتهية ولايتها، لم يعودوا القوة البرلمانية الأولى. والبام الذي كان شريكا ثانيا أصبح صاحب المرتبة الأولى. والاستقلال، رغم بقائه ثالثا، فقد 16 مقعدا.
وهنا يصبح السؤال السياسي مختلفا: هل ستكون الأغلبية المقبلة مجرد إعادة تركيب للتحالف السابق، أم أن تغير الأوزان داخلها سيفرض ترتيبات سياسية جديدة؟
النتائج وحدها لا تجيب عن السؤال.
المعارضة أيضا لم تستفد من تراجع الأغلبية بالقدر نفسه
قد يبدو للوهلة الأولى أن تراجع أحزاب الأغلبية يعني تلقائيا صعود المعارضة.
الأرقام لا تقول ذلك بهذه البساطة.
الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية انتقل من 34 إلى 26 مقعدا، والتقدم والاشتراكية من 22 إلى 19 مقعدا.
أي أن جزءا من الخسارة التي تعرضت لها أحزاب الأغلبية لم يذهب إلى المعارضة التقليدية.
وهذا عنصر مهم في قراءة الخريطة الجديدة: تراجع حزب لا يعني بالضرورة أن منافسه السياسي المباشر هو المستفيد منه.
اليسار.. تقدم عددي وسؤال سياسي أكبر
أما تحالف اليسار، فقد حصل على ثمانية مقاعد في انتخابات 2026، مقابل مقعدين فقط في 2021 للحزبين اللذين كانا يمثلان مكونات من التحالف الحالي، المؤتمر الوطني الاتحادي والحزب الاشتراكي الموحد.
من هذه الزاوية، هناك تقدم عددي واضح.
لكن تحويل هذا الرقم إلى استنتاج سياسي يحتاج إلى أكثر من مجرد مقارنة المقاعد.
فالسؤال ليس فقط كم مقعدا حصل عليه اليسار، وإنما ماذا يستطيع أن يفعل بهذه المقاعد داخل برلمان تهيمن عليه قوى حزبية أكبر، وكيف سيترجم حضوره إلى مواقف ومبادرات ورقابة وتشريع.
انتخابات غيرت الترتيب.. فهل تغير قواعد اللعبة؟
هذه هي النقطة التي ينبغي ألا تضيع وسط الاحتفال بالأرقام.
انتخابات 2026 غيرت ترتيب الأحزاب داخل البرلمان، لكنها لم تغير، بمجرد إعلان النتائج، طبيعة النظام السياسي أو قواعد تشكيل الحكومات.
البام أصبح أولا، الأحرار ثانيا، الاستقلال ثالثا، والبيجيدي عاد رابعا.
لكن لا ينبغي الخلط بين تغيير ترتيب اللاعبين وتغيير قواعد اللعبة.
فالاختبار الحقيقي يبدأ بعد إعلان النتائج النهائية: من سيشكل الحكومة؟ كيف ستتوزع مراكز القوة داخلها؟ وهل سيترجم تغير الوزن البرلماني إلى تغير في طريقة إدارة الأغلبية؟ وما موقع البيجيدي والمعارضة واليسار في الخريطة الجديدة؟
الأرقام أجابت عن سؤال من صعد ومن تراجع.
أما السؤال الأصعب، وهو ماذا سيفعل الفائزون بهذه الأرقام؟، فما زال مفتوحا.




