اقتصادالرئسية

الجواهري بين ضغوطات صندوق النقد الدولي وهموم المواطن

في مشهد يعكس التوتر الدائم بين إكراهات الداخل وضغوط الخارج، خرج عبد اللطيف الجواهري، والي بنك المغرب، ليضع النقاط على الحروف، إن صح التعبير، حول ما يمكن وما لا يمكن للحكومة أن تفعله في زمن انتخابي حساس.

تحدث الرجل بلغة الأرقام، لكنه في العمق وجّه رسالة سياسية واضحة: “صندوق النقد الدولي أقوى من وعود الحملات الانتخابية” .

خط ائتماني مشروط وأهداف صارمة

كشف الجواهري أن المغرب حصل على فرض ضرائب جديدة من صندوق النقد الدولي بقيمة “3.5 مليار دولار” ، لكن هذا المبلغ لم يأتِ بالمجان، بل مقابل التزامات ثقيلة: إبقاء العجز في حدود أقل من “4%” ، وخفض المديونية العامة إلى ما دون “65% من الناتج الداخلي الخام” ، واليوم توجد بعثة من صندوق النقد للنظر في مدى الوفاء بالالتزامات.. و لتراقب الحسابات بدقة، ولتتأكد أن الحكومة لا تلهو بالأرقام لصالح كسب أصوات انتخابية، فأي انزلاق، بحسب والي بنك المغرب، سيكون ثمنه باهظاً: تضخم أعلى، و تآكل القدرة الشرائية، و ارتباك في السياسة النقدية، وربما فقدان ثقة المؤسسات المالية الدولية.

الانتخابات.. وعود مؤجلة

المفارقة أن المواطن المغربي، الذي ينتظر من هذه السنة الانتخابية بعض “الهدايا الاجتماعية” المعتادة من الحكومات الطامحة لتجديد شرعيتها، يجد نفسه اليوم أمام جدار من الالتزامات الدولية، فالحكومة،، كما يقول الجواهري ـ لا تستطيع زيادة النفقات لتوزيع الإعانات أو تحسين الخدمات، لأن “المحاسب الخارجي” يمنعها، وكأن صوت المواطن في الصندوق الانتخابي صار رهينة لتدخل من صندوق النقد الدولي في واشنطن.

أزمة الأرقام والبطالة المخفية

الجواهري لم يتردد أيضاً في توجيه نقد مباشر للمندوبية السامية للتخطيط، إذ اعتبر أن الأرقام الفصلية حول البطالة والشغل تعاني خللاً في المنهجية، ولا تعكس الواقع بدقة.
فالأرقام السنوية ـ حسب قوله ـ وحدها تمنح صورة أوضح، لكن المواطن الذي يعيش البطالة في اليومي لا ينتظر نشرات إخبارية لتخبره بواقعه، فهو يرى الحقيقة في طوابير العاطلين، وفي شهادات جامعية تتحول إلى مجرد أوراق مهملة في مكاتب التشغيل.

الكاش.. اقتصاد موازٍ ينهك الدولة

ملف آخر توقف عنده والي بنك المغرب هو معضلة “الكاش”، حيث كشف أن التقرير الخاص بالظاهرة قد أُنجز وجرى عرضه على المؤسسات الحكومية للنقاش.. و الأرقام هنا مثيرة، حيث يُتداول في المغرب ما بين “120 و150 مليار درهم” نقداً خارج القنوات البنكية، هذا الرقم الضخم لا يعني فقط “اقتصاداً غير رسمي”، بل يعني أيضاً نقصاً في التمويل البنكي، مما يدفع الحكومات المتعاقبة إلى البحث عن الحل الأسهل: “فرض ضرائب جديدة” لسد الخصاص.

كما أوضح الجواهري أن الحلول موجودة لكنها ليست سحرية، فالأموال التي تراكمت خارج النظام البنكي يصعب إدماجها بين ليلة وضحاها، ومع ذلك، فإن إدخال هذه الكتلة النقدية في القنوات الرسمية يمكن أن يشكل متنفساً للاقتصاد الوطني، بدل الاستمرار في إنهاكه عبر قروض خارجية أو ضرائب تثقل كاهل المواطن.

انعكاسات اجتماعية وسياسية

ما عرضه الجواهري لا يقتصر على لغة الأرقام والتقنية بقدر ما يكشف عن أبعاد سياسية واجتماعية عميقة، إذ يتضح أن الدولة أصبحت أسيرة التزاماتها أمام صندوق النقد الدولي أكثر مما هي منخرطة في الاستجابة لانتظارات مواطنيها.

المواطن بدوره يجد نفسه مطالباً بمزيد من الصبر على غلاء الأسعار وارتفاع التضخم وتراكم الضرائب، بينما تنشغل الحكومة بتلميع صورتها لدى المؤسسات المالية الدولية، وفي الوقت الذي كان من المفترض أن تشكل الانتخابات فرصة لانفراج اجتماعي وتخفيف الأعباء، تبدو مرشحة للتحول إلى مجرد محطة لوعود مؤجلة تحت شعار الحفاظ على “المصداقية المالية”.

في النهاية، يبدو أن المغرب يعيش مفارقة صارخة: من جهة تُرفع شعارات “النموذج التنموي الجديد” و”العدالة الاجتماعية”، ومن جهة أخرى تُدار المالية العمومية بعقلية “دفتر الشروط” المفروض من الخارج.

المواطن البسيط لا تهمه نسب العجز أو خطوط الائتمان بقدر ما تهمه فاتورة الماء والكهرباء، سعر الخبز في السوق، وقدرته على ملء سلة المعيشة آخر الشهر.

وإذا كان الجواهري قد حذّر من أي انزلاق مالي قد يضر بالمصالح الانتخابية، فإن المواطن العادي قد يرد عليه بمرارة: الانزلاق الحقيقي هو ما نعيشه يومياً في الجيب والمطبخ والشارع و ما ندفعه مقابل استشفاء و تعليم في حدود المقبول، لا في دفاتر الصندوق الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى