
هيدروجين العيون يفتح معركة: من سيملك ثروة الطاقة الخضراء؟
لم يعد مشروع الهيدروجين والأمونيا الخضراء المرتقب في العيون مجرد استثمار ضخم يبحث عن التمويل، بل أصبح اختباراً لنموذج اقتصادي كامل: هل يستطيع المغرب تحويل وفرة الشمس والرياح في جنوبه إلى صناعة ذات قيمة مضافة، أم سيكتفي بإنتاج طاقة نظيفة تحتاجها أوروبا؟
يقود المشروع تحالف «أورنكس»، الذي يضم الأمريكية «أورتوس كلايمت ميتغيشن» والشراكة الإسبانية الألمانية «أكسيونا ونوردكس للهيدروجين الأخضر»، باستثمار مستهدف يقارب “4.5 مليارات دولار”، وقد حصل التحالف في يوليوز 2026 على منحة أمريكية بقيمة “5.7 ملايين دولار” لتمويل الدراسات الهندسية الأولية، وهي خطوة مهمة لإثبات الجدوى، لكنها لا تعني بعدُ أن مليارات الاستثمار أصبحت مضمونة.
أمريكا تمهّد.. وأوروبا تضع شروط الدخول
ينتقل المشروع بعد الدفعة الأمريكية، إلى الاختبار الأصعب: بروكسل، فالاتحاد الأوروبي يريد إنتاج “10 ملايين طن من الهيدروجين المتجدد محلياً واستيراد 10 ملايين طن أخرى بحلول 2030” ضمن «ري باور إي يو»، ما يجعل المغرب، لقربه الجغرافي وموارده المتجددة، مرشحاً طبيعياً للمشاركة في هذا السوق، لكن الطريق إلى السوق الأوروبية يمر عبر قواعد صارمة تتعلق بمصدر الكهرباء ومعايير الاستدامة وانبعاثات دورة الإنتاج.
ولهذا يركز التحالف تحركاته في بروكسل على مواءمة المشروع مع المعايير الأوروبية، أملاً في تسهيل الوصول إلى التمويل المؤسساتي، وهنا تتحول المعركة من مجرد العثور على المال إلى إثبات أن المنتج المغربي قادر على الحصول على «صفة خضراء» تعترف بها السوق الأوروبية.
2 غيغاواط من الطاقة.. والسؤال: كم سيبقى للعيون؟
تقنياً، المشروع ضخم: أكثر من “2 غيغاواط” من الطاقة الشمسية والريحية، وحوالي “900 ميغاواط” من التحليل الكهربائي، مع أنظمة لتخزين الكهرباء ومحطة لتحلية مياه البحر، بهدف إنتاج نحو “560 ألف طن من الأمونيا الخضراء سنوياً”، لكن الأرقام التقنية تخفي سؤالاً أكثر أهمية بالنسبة للاقتصاد المحلي: “كم من هذه القيمة سيبقى داخل المغرب؟”.
فالاستثمار لا يقاس فقط بحجم رأس المال الأجنبي، وإنما بقدرته على خلق شركات محلية، وتكوين مهندسين وتقنيين، وتوطين الصيانة والتجهيز والخدمات، وربط المشروع بموانئ ونقل وصناعات كيميائية وسلاسل إمداد مغربية.. وإلا فإن العيون قد تتحول إلى منصة إنتاج وتصدير، بينما تتوزع القيمة الأكبر بين التمويل والتكنولوجيا والأسواق الخارجية.
الماء.. الاختبار الذي لا يمكن تجاهله
وإدماج تحلية مياه البحر في المشروع ليس تفصيلاً تقنياً، فالمغرب يواجه ضغطاً مائياً متزايداً، ويتجه إلى توسيع الاعتماد على التحلية؛ لذلك فإن أي صناعة جديدة كثيفة الطاقة والمياه مطالبة بإثبات أنها لا تستبدل أزمة مناخية بأخرى، وفي حالة العيون، يصبح الربط بين الطاقة المتجددة والتحلية شرطاً لاستدامة المشروع، وليس مجرد خيار إضافي.
319 مليار درهم.. مشروع واحد داخل سباق أكبر
المشروع جزء من رهان وطني أوسع؛ فقد اختار المغرب مستثمرين لتطوير “ستة مشاريع للهيدروجين الأخضر بقيمة إجمالية تناهز 319 مليار درهم”، تشمل الأمونيا والصلب والوقود الصناعي، وهذا يعني أن المغرب لا يراهن على تصدير الهيدروجين فقط، بل على بناء موقع داخل سلاسل الصناعة الخضراء العالمية.
لكن نجاح الرهان لن يُقاس بعدد الأطنان المنتجة، بل بمن يملك التكنولوجيا، ومن يتحكم في التمويل والسعر، ومن يحتفظ بالقيمة المضافة.
فأوروبا تحتاج إلى الطاقة الخضراء، والمغرب يملك مواردها؛ أما المعركة الحقيقية في العيون، فهي ألا يتحول امتلاك الشمس والرياح إلى مجرد امتياز للتصدير، بل إلى فرصة لامتلاك الصناعة نفسها.





