
تقرير: هل يحتاج الشرق الأوسط إلى أمن بلا أمريكا؟
تطرح الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية الأخيرة مع إيران، وفق تحليل نشرته مجلة «فورين أفيرز» الأميركية، أسئلة عميقة بشأن جدوى الاستراتيجية التي اتبعتها واشنطن في الشرق الأوسط على مدى عقود، معتبرة أن التدخل العسكري المستمر لم يؤد إلى تعزيز الأمن الأميركي بقدر ما ساهم في إنتاج مزيد من الصراعات والتهديدات.
ويذهب التقرير إلى أن الحرب لم تكن مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل جاءت نتيجة تراكم طويل لسياسات أميركية جعلت الولايات المتحدة أكثر انخراطا في أزمات المنطقة، وربطت أمنها بانتشار عسكري واسع وقواعد وقوات في عدد من دول الشرق الأوسط. وبحسب هذا المنظور، تحولت الوسائل التي اعتمدتها واشنطن لحماية مصالحها إلى مصدر إضافي للمخاطر التي تحاول تفاديها.
حرب مكلفة ونتائج عكسية
يعتبر التقرير أن الحملة العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران كانت غير ضرورية وانتهكت القانون الدولي، وأسفرت عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين وتدمير منشآت وبنى تحتية مدنية، بينما أدى الرد الإيراني إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوف القوات الأميركية المتمركزة في المنطقة.
كما انعكست الحرب على الاقتصاد العالمي، خصوصا بعد اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز، وما ترتب على ذلك من ارتفاع في أسعار الطاقة ومخاوف بشأن استقرار الإمدادات.
وترى «فورين أفيرز» أن المفارقة الأساسية تكمن في أن الوجود العسكري الأميركي الذي يفترض أن يضمن أمن الطاقة وحرية الملاحة وحماية الحلفاء، وجد نفسه عاجزا عن منع واحدة من أخطر التداعيات التي كان يفترض أن يحول دون وقوعها.
ثلاثة عقود من التدخل
يربط التقرير الحرب الحالية بتاريخ طويل من التدخل العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، خصوصا منذ حرب الخليج عامي 1990 و1991، التي رسخت وجودا عسكريا أميركيا واسعا في المنطقة.
ومنذ ذلك الوقت، حافظت الإدارات الأميركية المتعاقبة على انتشار عسكري كبير، انطلاقا من اعتبارات مرتبطة بأمن الطاقة، وحماية إسرائيل، ومواجهة إيران، ومحاربة التنظيمات المسلحة.
لكن التقرير يرى أن هذا الانتشار خلق بدوره دائرة يصعب الخروج منها: فكل تهديد جديد يؤدي إلى تعزيز الوجود العسكري، وكل وجود عسكري إضافي يرفع احتمال تعرض القوات الأميركية أو الدول المضيفة للهجمات، ما يدفع واشنطن إلى مزيد من التدخل.
ويستحضر التحليل تجربة العراق بعد غزو 2003، معتبرا أن الاحتلال الأميركي لم يورط القوات الأميركية في حرب طويلة فحسب، بل ساهم في خلق بيئة مكنت الجماعات المدعومة من إيران من استهدافها، وهو ما أعقبته عمليات عسكرية أميركية متكررة في العراق وسوريا.
كما يشير إلى الحرب في أفغانستان والغارات بالطائرات المسيرة، وإلى عودة القوات الأميركية إلى العراق عام 2014 لمحاربة تنظيم الدولة، الذي ظهر في سياق الفوضى التي أعقبت الغزو الأميركي.
تريليونات الدولارات وثمن بشري هائل
بحسب الأرقام التي يستند إليها التقرير، أنفقت الولايات المتحدة نحو 8 تريليونات دولار على حروبها في أفغانستان والعراق ومسارح أخرى ضمن ما سمي «الحرب على الإرهاب».
وتشير تقديرات بحثية من جامعة براون إلى أن قرابة ثلاثة ملايين أميركي خدموا في هذه الصراعات، فيما قُتل أكثر من 15 ألفا من العسكريين والمتعاقدين الأميركيين، وأصيب نحو 1.8 مليون جندي بإعاقات.
أما في المنطقة، فكانت الكلفة أكبر بكثير؛ إذ يقدر التقرير أن أكثر من 940 ألف شخص قتلوا جراء العنف المباشر، بينهم مئات الآلاف من المدنيين، فيما توفي ملايين آخرون نتيجة التداعيات غير المباشرة لانهيار الدول والصراعات، واضطر عشرات الملايين إلى النزوح.
ويرى التقرير أن هذه الأرقام تخفي خلفها مأساة اجتماعية وإنسانية ممتدة، من أسر فقدت أفرادها ومنازلها إلى أجيال نشأت في ظل الحروب وعدم الاستقرار.
التحالفات الأمنية تحت المجهر
لا يحصر التقرير انتقاداته في التدخل العسكري المباشر، بل يلفت إلى أن الشراكات الأمنية الأميركية مع عدد من الحكومات في المنطقة ساهمت، بحسب تحليله، في دعم أنظمة وسياسات مثيرة للجدل.
ويعتبر أن الوجود العسكري الأميركي دفع واشنطن إلى التعاون الوثيق مع حكومات ذات أجندات إقليمية خاصة، مشيرًا إلى علاقاتها مع مصر والسعودية والإمارات، وما يرتبط بهذه الدول من ملفات الحرب في اليمن والسودان وغيرها.
ويضع التقرير العلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية في صلب هذا النقاش، معتبرا أن الدعم الأميركي المتواصل لإسرائيل لم يؤدِّ إلى تقليص الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، بل ساهم، وفق رؤيته، في استمرار سياسات إسرائيلية عمقت الأزمة وأضعفت فرص التوصل إلى تسوية سياسية.
ومن هذا المنطلق، يدعو التقرير إلى إعادة النظر في المساعدات العسكرية الأميركية وربطها باحترام القانون الأميركي والدولي وحقوق الإنسان.
الانسحاب كخيار استراتيجي
الحل الذي تقترحه «فورين أفيرز» لا يتمثل في إعادة تشكيل الانتشار العسكري الأميركي فحسب، وإنما في إنهائه بصورة تدريجية وكاملة، بدءا من سحب القوات بعد التوصل إلى وقف إطلاق نار مستقر مع إيران.
ويحذر التقرير من أن الاكتفاء بانسحاب جزئي أو نقل القوات إلى قواعد أقل عددا قد لا يعالج المشكلة الأساسية، لأن القوات الأميركية ستظل أهدافا محتملة لإيران وحلفائها، وستحتاج واشنطن في المقابل إلى موارد ضخمة لحمايتها.
وفي المقابل، لا يعني الانسحاب، بحسب التقرير، قطع العلاقات مع دول المنطقة، إذ يمكن لواشنطن الحفاظ على التعاون الدبلوماسي والاقتصادي والأمني، لكن من دون الوجود العسكري واسع النطاق الذي جعلها طرفًا مباشرًا في أزمات المنطقة.
الطاقة ومضيق هرمز
أحد أبرز الاعتراضات على الانسحاب يرتبط بأمن الطاقة وحرية الملاحة. غير أن التقرير يجادل بأن الحرب نفسها أظهرت حدود القدرة الأميركية على ضمان أمن مضيق هرمز بالقوة العسكرية.
ويشير إلى أن إيران ودول الخليج تملك مصلحة مشتركة في استمرار تدفق الطاقة، بينما أدى تحول الولايات المتحدة إلى منتج رئيسي للطاقة وتوسع مصادر الطاقة المتجددة وتزايد محاولات تنويع طرق التصدير إلى تقليل اعتماد الاقتصاد العالمي على مسار واحد.
وبناءً على ذلك، يرى التقرير أن حماية تدفقات الطاقة لا تستلزم بالضرورة انتشارا عسكريا أميركيا دائما، وأن دول المنطقة يمكن أن تتحمل مسؤولية أكبر في بناء ترتيبات أمنية إقليمية جديدة.
إيران ومكافحة الإرهاب
يرفض التحليل أيضا الحجة القائلة إن بقاء القوات الأميركية ضروري لاحتواء إيران أو مكافحة الإرهاب.
فالحرب الأخيرة، وفق التقرير، أظهرت حدود قدرة واشنطن على حماية حلفائها الخليجيين من الهجمات الإيرانية، ما يدفع دول المنطقة إلى البحث عن منظومة أمنية جديدة تقوم بصورة أكبر على الحوار الإقليمي وخفض التوتر.
وفي ملف الإرهاب، يرى التقرير أن الانسحاب لا يعني التخلي عن القدرات الاستخباراتية والعسكرية الأميركية، إذ يمكن مواصلة تبادل المعلومات وتوظيف تقنيات المراقبة والاستطلاع، مع الاحتفاظ بإمكانية تنفيذ عمليات محددة عند الضرورة.
إسرائيل ليست بحاجة إلى مظلة دائمة
يتناول التقرير كذلك حجة حماية إسرائيل، معتبرا أنها دولة نووية وتمتلك أحد أقوى الجيوش في المنطقة، وبالتالي فإن استمرار الدعم العسكري الأميركي غير المشروط ليس بالضرورة الضمان الوحيد لأمنها.
ويرى أن الدعم الأميركي المستمر قد يكون، للمفارقة، عاملا في تشجيع سياسات تزيد من المخاطر المحيطة بإسرائيل نفسها، ولذلك يقترح جعل المساعدات العسكرية مرتبطة بتغيير سياساتها تجاه الأراضي الفلسطينية ووقف العمليات العسكرية التي توسع دائرة الصراع في المنطقة.
واشنطن أمام خيار آسيا وأوروبا
في البعد الاستراتيجي الأوسع، يحذر التقرير من أن استمرار انخراط الولايات المتحدة في الشرق الأوسط يستنزف مواردها ويشتت اهتمامها عن منافسة القوى الكبرى، خصوصًا الصين وروسيا.
ويرى أن تقليص الوجود العسكري في الشرق الأوسط سيتيح لواشنطن توجيه مزيد من الموارد والاهتمام نحو أوروبا وآسيا، حيث تعتبر مواجهة التحديات الروسية والصينية أكثر ارتباطا بالمصالح الاستراتيجية الأميركية طويلة المدى.
ولا يعتقد التقرير أن الانسحاب سيترك فراغا ستملؤه الصين أو روسيا بسهولة، مشيرا إلى محدودية استعداد بكين للتدخل العسكري خارج محيطها المباشر، وإلى تراجع الحضور الروسي في المنطقة.
رأي عام أميركي أكثر عزوفا عن الحروب
ولا يغفل التقرير التحول في المزاج الشعبي الأميركي، مشيرا إلى أن قطاعات واسعة من الأميركيين باتت أقل استعدادًا لدعم الحروب الخارجية.
ويستشهد باستطلاع للرأي أظهر أن 62 في المئة من الأميركيين يفضلون بقاء بلادهم «بعيدة عن الحروب قدر الإمكان»، مقابل 33 في المئة يؤيدون استخدام القوة العسكرية عندما يكون ذلك مفيدا للولايات المتحدة.
ويرى التقرير أن هذا التحول الشعبي يتناقض مع استمرار الإنفاق العسكري المتزايد، في وقت يواجه فيه الأميركيون ضغوطًا مرتبطة بتكاليف المعيشة، بينما تقترب ميزانية الدفاع من مستويات قياسية.
نهاية مرحلة؟
تنتهي «فورين أفيرز» إلى أن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى التخلي عن دورها العالمي، بل إلى إعادة تعريف هذا الدور.
فالوجود الأميركي في أوروبا وآسيا، بحسب التقرير، يمكن أن يساهم في ردع صراعات كبرى بين القوى العظمى، لكن النموذج المتبع في الشرق الأوسط أثبت، من وجهة نظر المجلة، أنه ينتج مخاطر أكثر مما يبددها.
وبذلك يصبح الانسحاب من المنطقة، في رؤية التقرير، ليس تراجعا عن المسؤولية الدولية، وإنما محاولة لإعادة ترتيب الأولويات الأميركية، والانتقال من سياسة تقوم على القواعد والقوات والحروب إلى سياسة تعتمد بصورة أكبر على الدبلوماسية والشراكات الاقتصادية والتعاون الإقليمي.
المصدر: مجلة «فورين أفيرز» الأميركية، تقرير بعنوان «يجب على أميركا أن تترك الشرق الأوسط».





