
1210 مليارات درهم تفتح سؤال كلفة الاقتراض
لم تعد مديونية الخزينة المغربية رقماً عابراً في دفاتر المالية العمومية، بعدما بلغ إجمالي الدين نحو “1210 مليارات درهم مع نهاية يوليوز 2026″، وفق تقديرات مركز «التجاري غلوبال ريسيرش» الواردة في تقريره «بوجيت فوكس Budget Focus – يوليوز 2026».
والأهم أن هذا الرصيد لا يتحرك فقط تحت ضغط الدين الداخلي، بل يتسع معه حضور الاقتراض الخارجي، الذي بلغ وزنه نحو “28%” من إجمالي مديونية الخزينة خلال الأشهر السبعة الأولى من السنة.
حين يصبح الخارج جزءاً من معادلة التمويل
ارتبط هذا التحول أساساً بعودة الخزينة إلى الأسواق المالية الدولية في ماي الماضي، من خلال إصدار سندات بقيمة “2.25 مليار أورو، وتمت العملية على شريحتين: الأولى بقيمة 1.25 مليار أورو لمدة ثماني سنوات، والثانية بمليار أورو لمدة 12 سنة، بعائد بلغ على التوالي 4.842 و5.289% وكانت وزارة الاقتصاد والمالية قد أعلنت أن دفتر الطلبات بلغ 5.2 مليارات أورو، مقدمة العملية باعتبارها جزءاً من استراتيجية الموازنة بين مصادر التمويل الداخلية والخارجية.
لكن نجاح الإصدار في جذب المستثمرين لا يلغي السؤال الاقتصادي الأهم: ما هي كلفة هذا التمويل على الميزانية خلال السنوات المقبلة؟ فالقرض لا ينتهي يوم تحويل الأموال إلى الخزينة، وإنما يبدأ معه التزام طويل الأمد بالفوائد والسداد.
30 مليار درهم من الفوائد في سبعة أشهر
تكشف الأرقام الرسمية حجم هذا الضغط بصورة أوضح، فقد بلغت فوائد الدين الداخلي حتى يوليوز “23.6 مليار درهم”، مقابل “6.2 مليارات درهم” لفوائد الدين الخارجي، أي ما يقارب “29.8 مليار درهم” خلال سبعة أشهر فقط، وفي الفترة نفسها بلغت النفقات العادية 242.6 مليار درهم، بينما سجل رصيد الميزانية عجزاً قدره “50.5 مليار درهم”.
هنا يتحول النقاش من سؤال «هل المغرب قادر على الاقتراض؟» إلى سؤال أكثر إلحاحاً: “هل يحقق الاقتراض مردودية اقتصادية تكفي لتغطية كلفته؟” فالاستدانة ليست في حد ذاتها مؤشراً سلبياً إذا مولت استثمارات منتجة ورفعت النمو والموارد المستقبلية، لكنها تصبح أكثر حساسية حين تتوسع معها خدمة الدين وتتقلص الهوامش المتاحة لباقي الأولويات.
الدين يرتفع.. والسؤال ينتقل إلى المواطن
وتزداد أهمية هذا النقاش اجتماعياً لأن الميزانية ليست مجرد حسابات تقنية؛ إنها في النهاية الوعاء الذي يمول الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والاستثمار العمومي، وكلما ارتفعت خدمة الدين، تصبح الحكومة مطالبة بتدبير مساحة مالية محدودة بين الوفاء بالتزاماتها تجاه الدائنين وتمويل حاجيات المجتمع.
وتشير تقديرات «التجاري غلوبال ريسيرش» إلى أن الدين الإجمالي للخزينة قد يصل إلى “1211 مليار درهم بنهاية 2026″، مقابل 1156 ملياراً في 2025، مع ارتفاع الدين الخارجي من 307 إلى 348 مليار درهم.
ليست المشكلة في الاقتراض.. بل في ما ينتجه
لذلك، فإن الاختبار الحقيقي للسياسة المالية لا يكمن في قدرة المغرب على الوصول إلى الأسواق الدولية، ولا في حجم الطلب الذي تستقبله إصداراته السيادية، وإنما في “ما الذي ينتجه هذا الدين داخل الاقتصاد”.
فالاستقرار المالي لا يقاس فقط بقدرة الدولة على الاقتراض من جديد، بل بقدرتها على خلق نمو وموارد تجعل الاقتراض أداة للاستثمار لا آلية دائمة لتمويل الحاجيات. وعندما يصل الدين إلى عتبة 1210 مليارات درهم، يصبح السؤال مشروعاً: “كم من هذه الأموال يتحول إلى ثروة وفرص وخدمات، وكم منها يعود في النهاية إلى الأسواق على شكل فوائد وأقساط؟”
وهنا تحديداً يبدأ النقاش الحقيقي حول «المغرب الجديد»: ليس كم تستطيع الدولة أن تقترض، بل “ما الذي سيبقى للمغاربة بعد دفع فاتورة هذا الاقتراض؟”




