
اتفاق الهند أوربا: صفقة اقتصادية كبرى في زمن تصدع التحالفات الغربية
لم يكن الإعلان عن اتفاق التجارة الحرة بين الهند والاتحاد الأوروبي مجرد حدث اقتصادي عابر، بل جاء تتويجا لمسار تفاوضي شاق امتد قرابة عقدين، وفي لحظة دولية شديدة الاضطراب تعاد فيها صياغة قواعد التجارة العالمية تحت ضغط الرسوم الجمركية والاصطفافات الجيوسياسية المتسارعة.
منطقة تجارة حرة تضم نحو ملياري شخص
الاتفاق، الذي وُقع رسميًا أمس الثلاثاء، ينشئ منطقة تجارة حرة تضم نحو ملياري شخص، ويجمع بين كتلتين اقتصاديتين تمثلان معًا حوالي 22% من الناتج العالمي بإجمالي يناهز 27 تريليون دولار، وهو ما يمنحه وزنًا يتجاوز البعد التجاري ليطال موازين القوة الاقتصادية العالمية.
المشهد الرسمي الذي سبق الإعلان – بما حمله من مراسم واستقبال شرفي – لم يكن سوى الواجهة الدبلوماسية لصفقة عميقة الدلالات. فكما أبرز تقرير نديم الملاح، يجتمع طرفان يسعيان إلى كسر منطق الاعتماد الأحادي، واقتناص لحظة التحول في نظام تجاري عالمي بات أكثر تسييسا من أي وقت مضى.
وصف رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي الاتفاق بأنه «أم الصفقات»
ووصف رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي الاتفاق بأنه «أم الصفقات»، في تعبير يعكس حجم الرهان الهندي، ليس فقط على توسيع الأسواق، بل على إعادة تموضع استراتيجي يجعل من نيودلهي شريكًا مركزيًا في سلاسل الإمداد العالمية، وبديلًا جزئيًا عن الصين في الحسابات الأوروبية.
سياق دولي ضاغط
لم يولد الاتفاق في فراغ. فقد جاء في ظل تصاعد ما بات يُعرف بالحرب التجارية العالمية، بعد أن أعادت الرسوم الجمركية الأمريكية خلط الأوراق، ودفعَت شركاء واشنطن وخصومها على السواء إلى البحث عن مسارات تجارية أقل هشاشة سياسيًا.
وفي هذا السياق، أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أن «أوروبا والهند تصنعان التاريخ»، مؤكدة أن الاتفاق هو «الأهم على الإطلاق» بالنسبة للاتحاد الأوروبي. غير أن هذا الخطاب الاحتفالي يخفي في خلفيته قلقًا أوروبيًا متزايدًا من السياسات الاقتصادية الأمريكية، خصوصًا مع عودة دونالد ترامب إلى الواجهة السياسية بخطاب أكثر تشددًا تجاه الحلفاء قبل الخصوم.
ترامب والضغط على الحلفاء
فسياسة ترامب الاقتصادية، القائمة على فرض رسوم جمركية متزايدة ورفع كلفة التجارة الخارجية، لم تستهدف الصين وحدها، بل شملت الاتحاد الأوروبي بنسبة رسوم وصلت إلى 15%، والهند بنسبة 50%، وفق ما أشار إليه مراسل الجزيرة من بروكسل عبد الله الشامي.
ولا يقتصر الضغط الأمريكي على الأدوات التجارية، بل يتجاوزها إلى رسائل سياسية صدامية، من بينها التلويح بإعادة طرح ملف جزيرة غرينلاند، ما فجّر توترات مكتومة بين واشنطن وكل من الدنمارك والاتحاد الأوروبي، وأعاد إلى الواجهة سؤال حدود الالتزام الأمريكي التقليدي تجاه حلفائه الغربيين.
في هذا المناخ، يبدو الاتفاق الأوروبي-الهندي جزءًا من ردّ أوروبي عملي على سياسة أمريكية تسعى إلى تحميل الحلفاء ثمن التحديات التي يواجهها الاقتصاد الأمريكي، سواء عبر الرسوم أو عبر إعادة تعريف مفاهيم التحالف والالتزام الاستراتيجي.
مكاسب اقتصادية وحسابات استراتيجية
اقتصاديًا، يستهدف الاتفاق توسيع حجم التبادل التجاري الذي تجاوز 136 مليار دولار، مع توقعات بزيادته بما لا يقل عن 50% خلال السنوات الأولى من دخوله حيز التنفيذ. كما ينص على خفض الرسوم الجمركية على الصادرات الأوروبية إلى الهند بنسبة قد تصل إلى 96%، خاصة في قطاعات السيارات، والصناعات الدوائية، والمنتجات الزراعية والغذائية.
وبالنسبة لأوروبا، يفتح الاتفاق سوقًا هندية ضخمة لطالما وُصفت بصعوبتها التنظيمية والجمركية، بينما يمنح الهند فرصة لتعزيز موقعها كسلسلة إمداد بديلة، ودعم طموحها للتحول إلى مركز صناعي وتصديري عالمي.
ولا ينفصل هذا التوجه عن استراتيجية أوروبية أوسع لتنويع الشركاء، سبق أن تجلت في توقيع اتفاق مع دول «الميركوسور» في أمريكا الجنوبية بعد مفاوضات استمرت 25 عامًا، إلى جانب محاولة إعادة ضبط العلاقة التجارية مع الصين دون الوصول إلى قطيعة اقتصادية شاملة.
الاقتصاد كسلاح جيوسياسي
في خلفية كل هذه التحركات، يبرز إدراك متزايد بأن الاقتصاد لم يعد مجالًا محايدًا، بل أداة جيوسياسية تُستخدم لإعادة التموضع وموازنة النفوذ. وهو إدراك عجّل بإعادة رسم خريطة الشراكات التجارية العالمية، بعيدًا عن الاعتماد المطلق على الولايات المتحدة.
من هذا المنظور، لا يُقرأ اتفاق الهند والاتحاد الأوروبي بوصفه صفقة تجارية فقط، بل كإشارة سياسية واضحة على أن أوروبا بدأت، ولو تدريجيًا، في بناء هوامش استقلال اقتصادي، تحسبًا لعالم يتجه نحو مزيد من الانقسام والتنافس، لا سيما إذا ما استمرت واشنطن في سياسة «أمريكا أولًا» بثمن يدفعه الحلفاء قبل الخصوم.





