
عادت النقابات التعليمية الخمس الأكثر تمثيلية إلى واجهة الاحتجاج، في مشهد يتكرر كلما طال أمد الانتظار، معلنة خوض مبرزات ومبرزي التربية والتكوين لإضراب وطني عام يومي 11 و12 فبراير، في خطوة تعكس منسوب الاحتقان داخل قطاع في مشهد يتكرر كلما طال أمد الانتظار، وتفضح مرة أخرى هشاشة العلاقة بين الحكومة وشريحة توصف بأنها من نخبة المنظومة التربوية.
في هذا السياق أكدت النقابات في بلاغ مشترك، أن الانخراط الواسع في هذه الخطوة “رسالة مباشرة” إلى الحكومة، مفادها أن الزمن النقابي لا يقاس بنفس الساعة التي تعتمدها الوزارة في تدبير الملفات العالقة، وأن الصبر المهني له حدود، خاصة عندما يتحول الحوار الاجتماعي إلى تمرين شكلي لتبديد الغضب لا لحل الأزمات.
اتفاق على الورق… وتعطيل في الواقع
تستند هذه الخطوة التصعيدية إلى اتفاق 26 دجنبر 2023، الذي التزمت فيه الحكومة صراحة بإصدار نظام أساسي خاص بمبرزي التربية والتكوين قبل نهاية سنة 2024، غير أن مرور السنة دون تفعيل هذا الالتزام جعل الاتفاق، في نظر النقابات، مجرد وثيقة مؤجلة الصلاحية..فيما لا يُقرأ هذا التأخير كتعثر إداري فقط، بل كرسالة سياسية سلبية تمس جوهر الثقة في الحوار الاجتماعي القطاعي، الذي يفترض أن يكون آلية لتفادي الاحتقان لا لتأجيله.
التماطل كسياسة تدبيرية
لم تُخفِ النقابات لهجتها الغاضبة وهي تتهم وزارة التربية الوطنية بانتهاج منطق التسويف، معتبرة أن ملف المبرزين أصبح عالقاً في منطقة رمادية بين الاعتراف النظري بالدور العلمي لهذه الفئة، والتقليص العملي من مكانتها داخل المنظومة، فالمبرز، الذي يُفترض أن يشكل رافعة للتأطير والتكوين والبحث البيداغوجي، يجد نفسه اليوم محكوماً بنظام إداري لا يعكس حجم التكوين ولا طبيعة المسؤوليات.
مكانة علمية تتآكل بصمت
تؤكد النقابات أن معركتها لا تتعلق فقط بالوضعية الإدارية أو المادية، بل تمتد إلى الدفاع عن نظام التبريز نفسه، الذي كان لعقود أحد أعمدة الجودة في التعليم الثانوي والعالي، ومع توالي الإصلاحات المتسرعة، تراجعت الأدوار البيداغوجية والعلمية للمبرزين، في وقت تشير فيه تقارير رسمية إلى خصاص بنيوي في التأطير والتكوين المستمر، حيث يتجاوز معدل الاكتظاظ في بعض المؤسسات 40 تلميذاً في القسم، مقابل ضعف الاستثمار في الموارد البشرية المؤهلة.
كلفة اجتماعية وسياسية للتجاهل
من الناحية الاقتصادية، لا يمكن فصل هذا الاحتقان عن سياق عام يعرف ضغطاً متزايداً على القدرة الشرائية، وتآكلاً في جاذبية مهن التعليم.. وتشير معطيات صادرة عن المندوبية السامية للتخطيط إلى أن أكثر من 60 في المائة من الأطر التعليمية يعتبرون أوضاعهم المهنية غير محفزة، وهو رقم يعكس عمق الأزمة.
سياسياً، يضع هذا الإضراب الحكومة أمام اختبار مصداقية حقيقي، خاصة في ظل خطاب رسمي يربط إصلاح التعليم بالتنمية والنموذج التنموي الجديد.
إضراب برسائل متعددة
اختارت النقابات صيغة تنظيمية تحمل دلالات رمزية، حيث يشهد اليوم الأول الالتحاق بمقرات العمل لفترة وجيزة قبل الانسحاب، في إشارة إلى الحضور المهني المشروط بالاعتراف، بينما يُخصص اليوم الثاني للإضراب الكامل، في رسالة تقول إن المبرزين حاضرون في الميدان، لكنهم يرفضون أن يكونوا مجرد أرقام في منظومة تؤجل إنصافهم.
في النهاية، لا يبدو هذا الإضراب حدثاً معزولاً، بل حلقة جديدة في سلسلة توترات تكشف أن إصلاح التعليم لا يُقاس بكثرة الشعارات، بل بمدى احترام الالتزامات، والاعتراف الحقيقي بمن يصنعون المدرسة العمومية في صمت.





