الرئسيةسياسة

من سبتة للصحراء.. اختبار جديد لمدريد والرباط

لم يكن توقيت طرح مشروع منح الجنسية الإسبانية للصحراويين عاديا، ففي الوقت الذي تحاول فيه مدريد احتواء تداعيات أزمة سبتة وإعادة تثبيت جسور التعاون مع الرباط، يستعد مجلس النواب الإسباني، الخميس 10 سبتمبر، للتصويت على مشروع قانون يعيد واحدة من أكثر صفحات العلاقة بين إسبانيا والصحراء حساسية إلى واجهة المشهد السياسي.

المشروع، الذي يفتح أمام الصحراويين المولودين خلال فترة الإدارة الإسبانية للإقليم طريقاً خاصاً نحو الحصول على الجنسية، يضع حكومة بيدرو سانشيز أمام معادلة شائكة: كيف تحافظ مدريد على شراكتها الاستراتيجية مع المغرب، بينما يسمح مسارها البرلماني بإعادة الاعتبار إلى روابط قانونية وتاريخية تعود إلى الحقبة الاستعمارية؟

ولا تكمن حساسية الخطوة في عدد المستفيدين المحتملين فقط، بل في الرسالة السياسية التي قد يحملها تشريع من هذا النوع في قضية تعتبرها الرباط من أكثر ملفاتها ارتباطاً بالأمن والسيادة.

البرلمان يتحرك.. والحكومة أمام اختبار صعب

يأتي التصويت بعد مسار تشريعي طويل بدأ رسمياً في مارس 2024، عندما تقدم ائتلاف “سومار” بمقترح قانون يهدف إلى منح الجنسية الإسبانية للصحراويين الذين ولدوا في الصحراء خلال فترة الإدارة الإسبانية.

وتولت النائبة الصحراوية في صفوف سومار، تِش سيدي، دوراً بارزاً في الدفع بالمبادرة، إلى جانب نواب يساريين، من بينهم إنريكي سانتياغو.

وظل المشروع عالقاً لأكثر من عام وسط تحفظات، خصوصاً من جانب الحزب الاشتراكي الحاكم، قبل أن يتخذ مساره منعطفاً مهماً في يونيو 2026، حين أعلن وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس دعمه للمبادرة، مع التشديد في الوقت نفسه على ضرورة الحفاظ على أفضل علاقة ممكنة مع المغرب.

وفي 23 يوليو، تجاوز المشروع عقبة لجنة العدل، بعدما حصل على 19 صوتاً مقابل ثلاثة أصوات رافضة و15 امتناعاً، ليتجه بذلك إلى الجلسة العامة.

قانون قد يستفيد منه عشرات الآلاف

جوهر المشروع بسيط في ظاهره، لكنه يحمل تبعات سياسية وقانونية واسعة.

فالنص يستهدف الصحراويين الذين ولدوا في الصحراء الغربية قبل 29 سبتمبر 1977، ويمنحهم إمكانية التقدم بطلب للحصول على الجنسية الإسبانية من خلال ما يعرف بـ”خطاب التجنيس”.

ولا يتعلق الأمر بمنح تلقائي للجنسية، إذ يتعين على كل مستفيد تقديم طلب وإثبات ولادته في الإقليم خلال الفترة المحددة.

وتقدر “سومار” عدد الأشخاص الذين يمكن أن يشملهم القانون بنحو 80 ألفاً، مع وجود تقديرات أخرى تتحدث عن أعداد أكبر.

وثائق إسبانية قد تعيد فتح ملفات الماضي

ومن أبرز ما يميز النص توسيعه نطاق الوثائق التي يمكن استخدامها لإثبات استحقاق الجنسية.

فإلى جانب شهادات الميلاد، يمكن الاعتماد على وثائق الهوية الإسبانية القديمة، ودفاتر العائلة، والوثائق التي أصدرتها الإدارة الإسبانية السابقة، إضافة إلى وثائق مرتبطة بالتعداد الأممي للصحراء، وسجلات الدراسة والتقاعد ورخص السياقة والوثائق الطبية وغيرها.

وبذلك، يمكن لوثائق إدارية تعود إلى عقود مضت أن تتحول إلى أدلة قانونية تسمح لأصحابها بإعادة بناء صلة قانونية مباشرة مع الدولة الإسبانية.

لماذا 29 سبتمبر 1977؟

خلف هذا التاريخ قصة قانونية وسياسية تعود إلى نهاية الوجود الإسباني في الصحراء.

فإسبانيا كانت قد اعتبرت الإقليم سنة 1958 “إقليماً” إسبانياً، وكان سكانه يحملون وثائق إسبانية ويتمتعون بحقوق إدارية وتعليمية ومهنية.

ومع انسحاب إسبانيا من الإقليم، برزت إشكالات معقدة بشأن الوضع القانوني للسكان الذين كانت تربطهم بالدولة الإسبانية صلات قانونية وإدارية.

ويستند أنصار المشروع إلى هذه الخلفية للقول إن القانون لا ينشئ امتيازاً جديداً، وإنما يصحح وضعاً تاريخياً نتج عن الانسحاب الإسباني.

“استعادة الجنسية” لا “منحها”

هنا تحديداً تكمن إحدى أكثر النقاط إثارة للجدل.

فالتيار المؤيد للمشروع داخل اليسار الإسباني لا يريد تقديم القانون باعتباره سياسة جديدة للهجرة أو تجنيساً استثنائياً، بل باعتباره آلية لـ”استعادة” حق تاريخي.

ويستند هذا الطرح إلى أحكام قضائية إسبانية سابقة تناولت الوضع القانوني للصحراويين في ظل الإدارة الإسبانية، واعتبرت أن التعامل معهم ببساطة كأجانب لا يعكس كامل وضعهم التاريخي.

ومن هذا المنظور، يقدم أصحاب المشروع القانون باعتباره تصحيحاً لأثر خلفته مرحلة الانسحاب الإسباني من الصحراء.

أبناء المستفيدين أمام فرصة ثانية

ولا تتوقف آثار القانون عند الجيل الذي ولد في الصحراء خلال الفترة المحددة.

فأبناء المستفيدين المباشرين سيحصلون، وفق النص، على حق الاختيار خلال خمس سنوات من تاريخ تسجيل حصول أحد والديهم على الجنسية الإسبانية بموجب القانون.

وهذا يخلق مسارين قانونيين: الأول يخص الجيل المولود في ظل الإدارة الإسبانية، والثاني يفتح الباب أمام أبنائهم المباشرين للاستفادة من حق الاختيار وفق شروط وآجال محددة.

سنتان فقط للحصول على الجنسية

المشروع لا يكتفي بمعالجة وضع المولودين في الصحراء.

فهو يقترح أيضاً تعديل المادة 22 من القانون المدني الإسباني، بما يسمح بخفض مدة الإقامة المطلوبة للصحراويين الراغبين في اكتساب الجنسية إلى سنتين بدلاً من عشر سنوات.

وتأتي هذه المعاملة في سياق فئات أخرى تتمتع بمدة إقامة مخفّضة بسبب روابط تاريخية خاصة بإسبانيا، مثل مواطني دول أميركا الإيبيرية والسفارديم والفلبينيين والغينيين الاستوائيين والبرتغاليين.

سومار تدفع.. والاشتراكيون يحاولون ضبط الإيقاع

يكشف المسار التشريعي عن تباين واضح داخل المعسكر الحكومي الإسباني.

فـ”سومار” تنظر إلى القانون باعتباره ملفاً تاريخياً وحقوقياً ينبغي حسمه، بينما تعامل الاشتراكيون معه بحذر أكبر، خصوصاً بعد التحول الذي طرأ على سياسة مدريد تجاه قضية الصحراء منذ 2022.

وخلال النقاشات، سعى الاشتراكيون إلى تخفيف بعض العبارات الواردة في ديباجة المشروع، ولا سيما تلك التي يمكن أن تحمل دلالات سياسية مرتبطة بمفهوم “الشعب الصحراوي”.

وكان الهدف الواضح هو منع القانون من التحول إلى رسالة سياسية تناقض الموقف الرسمي للحكومة الإسبانية من قضية الصحراء.

المغرب يراقب.. والصحراء تعود إلى البرلمان الإسباني

رغم عدم صدور موقف مغربي رسمي بشأن الصيغة النهائية للمشروع، فإن حساسية الملف تبدو واضحة.

فالرباط تعتبر أن مدريد قطعت منذ 2022 خطوة سياسية حاسمة عندما أعلنت دعمها لمقترح الحكم الذاتي المغربي، وهو تحول أعاد ترتيب العلاقات الثنائية بعد سنوات من التوتر.

لكن القانون الجديد يعيد إلى الواجهة، من زاوية مختلفة، علاقة إسبانيا التاريخية بسكان الصحراء، ويمنح تلك العلاقة ترجمة تشريعية داخل الدولة الإسبانية.

وهنا تكمن المفارقة: حكومة مدريد تدعم مقترح الحكم الذاتي المغربي، بينما يتحرك برلمانها في اتجاه تشريعي يعيد الاعتراف بخصوصية العلاقة التاريخية بين إسبانيا والصحراويين.

أزمة سبتة تضيف طبقة جديدة للتوتر

قد لا تكون هناك علاقة قانونية مباشرة بين مشروع الجنسية وأزمة سبتة، لكن التزامن بين الحدثين يمنحهما وزناً سياسياً مختلفاً.

فمشروع القانون بدأ قبل الأزمة بوقت طويل، غير أن التصويت عليه يأتي في أعقاب موجة الهجرة الجماعية التي جعلت سبتة واحدة من أبرز نقاط التوتر بين الرباط ومدريد.

وقد دفعت الأزمة الإسبان إلى إعادة طرح سؤال الاعتماد على المغرب في ملفات الهجرة وحماية الحدود، فيما أصبحت قدرة البلدين على الحفاظ على التعاون الأمني والسياسي موضع نقاش واسع.

ومن هذه الزاوية، قد يتحول التصويت إلى اختبار إضافي لحكومة سانشيز: هل تستطيع الفصل بين مسار البرلمان وقنواتها الدبلوماسية مع الرباط؟

الحزب الشعبي يمتنع.. وفوكس يصوت ضد

حتى داخل المعارضة، لم تتخذ الأحزاب موقفاً موحداً.

فالحزب الشعبي اختار الامتناع خلال التصويت في لجنة العدل، رغم تحفظاته السابقة على بعض مراحل المشروع.

أما “فوكس” فصوت ضده، رغم مواقفه المؤيدة للصحراويين، مبرراً ذلك باعتبارات تتعلق بمضمون المبادرة وطريقة تمريرها.

وهكذا، لا يبدو الاصطفاف البرلماني قائماً على موقف موحد من قضية الصحراء، وإنما تحكمه أيضاً الحسابات الحزبية والنظرة إلى السياسة الخارجية ومسار التشريع.

هل ستصطدم مدريد بالرباط؟

السؤال الذي يفرض نفسه بعد التصويت هو طبيعة الرد المغربي في حال إقرار القانون نهائياً.

فالرباط قد ترى في الخطوة شأناً إسبانياً داخلياً، لكنها في الوقت نفسه قد تعتبر أن إعادة إدخال الإرث الاستعماري الإسباني للصحراء إلى التشريع الوطني يحمل دلالات سياسية لا يمكن تجاهلها.

ومع ذلك، فإن المصالح الاقتصادية والأمنية والهجرة تشكل شبكة واسعة من المصالح المشتركة، ما يجعل أي رد محتمل محكوماً، على الأرجح، بحسابات دقيقة لتجنب نسف التعاون القائم بين البلدين.

لكن في ظل التوتر الذي خلفته أزمة سبتة، قد يصبح التشريع الجديد عنصراً إضافياً في أزمة ثقة أكبر.

وماذا عن البوليساريو؟

حتى إذا رحبت جبهة البوليساريو بالبعد التاريخي للقانون، فمن غير المتوقع أن تعتبر الجنسية الإسبانية بديلاً عن مطالبها السياسية.

فالحصول على الجنسية يظل مساراً فردياً، بينما يتمثل جوهر موقف الجبهة في تحميل إسبانيا مسؤوليتها التاريخية تجاه تصفية الاستعمار في الصحراء والدفع نحو تقرير المصير.

وبالتالي، فإن القانون قد يمثل مكسباً رمزياً وتاريخياً بالنسبة إلى بعض الصحراويين، لكنه لا يشكل في حد ذاته حلاً للنزاع السياسي.

10 سبتمبر ليس نهاية المسار

وفي حال أقر مجلس النواب المشروع، فلن يصبح القانون نافذاً مباشرة.

فالنص سينتقل إلى مجلس الشيوخ لاستكمال المسار التشريعي، ثم يخضع لإجراءات المصادقة والنشر في الجريدة الرسمية للدولة.

وبحسب الصيغة الحالية، يبدأ سريان القانون بعد أربعة أشهر من نشره.

وبعد دخوله حيز التنفيذ، ستكون أمام المستفيدين ثلاث سنوات لتقديم طلباتهم، مع إمكانية تمديد المدة سنة إضافية بقرار من وزارة العدل.

أي أن التصويت، حتى لو انتهى بالموافقة، لن يعني حصول عشرات الآلاف على الجنسية الإسبانية في اليوم التالي.

في ظاهره، يبدو المشروع تعديلاً لقواعد اكتساب الجنسية.

لكن خلف هذا العنوان القانوني تختبئ قضية أكثر تعقيداً: ذاكرة الاستعمار، وضع الصحراويين، مسؤولية إسبانيا التاريخية، التحول في موقف مدريد من قضية الصحراء، وأخيراً العلاقة المتوترة مع المغرب.

لهذا لن تكون أهمية جلسة 10 سبتمبر في عدد الأصوات التي سيحصدها المشروع فقط.

فالاختبار الحقيقي سيكون في ما إذا كانت إسبانيا قادرة على الجمع بين موقف حكومتها الداعم لمقترح الحكم الذاتي المغربي، وتشريع يعيد الاعتبار للروابط التاريخية والقانونية بين إسبانيا وسكان الصحراء.

وفي ظل تداعيات أزمة سبتة، قد يكون السؤال الأهم ليس من سيحصل على الجنسية؟ بل إلى أي حد يمكن لمدريد أن تفصل بين حساباتها مع الرباط وذاكرتها الاستعمارية داخل البرلمان؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى