الرئسيةحول العالمميديا وإعلام

نيويورك تايمز: الصين تناور وواشنطن تخسر الحلفاء

يتجه التنافس بين الصين والولايات المتحدة نحو مرحلة أكثر وضوحا، لا تدور فقط حول التجارة والاقتصاد أو النفوذ العسكري، بل تمتد إلى محاولة كل قوة إعادة تشكيل موازين النظام الدولي.

وفي الوقت الذي تكثف فيه بكين تحركاتها الدبلوماسية لبناء شبكة أوسع من الشراكات، تواجه واشنطن، في المقابل، توترات متزايدة مع عدد من حلفائها التقليديين.

وترى صحيفة «نيويورك تايمز» أن التحركات الصينية الأخيرة تعكس محاولة واضحة لتقديم بكين باعتبارها قوة قادرة على لعب دور مركزي في عالم يتجه بصورة متسارعة نحو التعددية القطبية.

وفي تحليل للصحفي ديفيد بيرسون نشرته الصحيفة، تبرز صورة متناقضة بين تحرك صيني يقوم على توسيع دائرة العلاقات وحشد ما تصفه بكين بـ«الأغلبية العالمية»، وبين سياسة أمريكية تثير خلافات متزايدة مع حلفائها وشركائها الاقتصاديين.

بكين تراهن على «الأغلبية العالمية»

وبحسب بيرسون، فقد حملت تحركات الرئيس الصيني شي جين بينغ في آسيا الوسطى رسالة سياسية تتجاوز الاجتماعات الثنائية، مفادها أن الصين تمتلك شبكة من العلاقات والنفوذ تسمح لها بالمشاركة في تحديد شكل المرحلة الدولية المقبلة.

ويشير تحليل «نيويورك تايمز» إلى أن أهمية التحرك الصيني ظهرت من خلال تزامن اجتماعات قمة منظمة شنغهاي للتعاون في بيشكيك مع اجتماعات مجموعة العشرين في الولايات المتحدة، حيث بدا المشهدان وكأنهما يعكسان نموذجين مختلفين للتعامل مع العالم.

ففي العاصمة القرغيزية، اجتمع شي مع قادة روسيا وإيران ودول آسيوية أخرى، بينما شهدت اجتماعات مجموعة العشرين في ولاية كارولاينا الشمالية خلافات حادة بين المشاركين، خصوصاً بشأن روسيا والحرب في أوكرانيا والسياسات التجارية.

ويرى بيرسون أن بكين تحاول من خلال هذه التحركات ترسيخ صورة الصين باعتبارها طرفاً قادراً على توفير الاستقرار ودعم قيام نظام دولي «متعدد الأقطاب ومنظم»، في مواجهة نظام ظلت الولايات المتحدة صاحبة النفوذ الأكبر فيه لعقود.

موسكو وطهران.. أوراق قوة صينية

ويولي تحليل «نيويورك تايمز» أهمية خاصة للعلاقة التي تجمع بكين بكل من موسكو وطهران، معتبراً أن الصين تستفيد من علاقاتها مع قوتين في مواجهة مباشرة أو غير مباشرة مع الغرب.

وفي بيشكيك، التقى شي بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في اجتماع اعتبره بيرسون من أبرز محطات التحرك الدبلوماسي الصيني، خصوصاً أنه جاء بعد أيام قليلة من زيارة سرية أجراها مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، جون راتكليف، إلى موسكو، بهدف دفع الكرملين نحو إنهاء الحرب في أوكرانيا.

وأكد شي خلال لقائه بوتين أن أسس العلاقات الصينية الروسية ستزداد قوة، في رسالة تعكس استمرار التقارب بين البلدين رغم الضغوط الغربية.

كما شارك الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في قمة منظمة شنغهاي للتعاون، والتقى شي على هامشها، في وقت عقد فيه بوتين أيضاً اجتماعاً مع الرئيس الإيراني، مؤكداً استعداد موسكو لمساعدة طهران خلال صراعها مع الولايات المتحدة.

وبحسب بيرسون، فإن هذا التقارب يمنح الرئيس الصيني أوراقاً إضافية قبل القمة المرتقبة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في وقت لاحق من الشهر.

واشنطن في مواجهة حلفائها

في الجانب المقابل، يرسم تحليل «نيويورك تايمز» صورة أكثر اضطراباً للعلاقات الأمريكية مع عدد من الشركاء التقليديين.

ويشير بيرسون إلى أن إدارة ترامب دخلت في حرب تجارية مع كندا، فيما أثارت سياساتها تجاه كوريا الجنوبية وشركاء آخرين مخاوف بشأن مستقبل الالتزامات الأمريكية الأمنية والاقتصادية.

كما برزت الخلافات داخل مجموعة العشرين بصورة لافتة، بعدما عبّر مسؤولون أوروبيون عن استيائهم من دعوة الولايات المتحدة وزير المالية الروسي أنطون سيلوانوف إلى الاجتماعات، رغم استمرار الحرب الروسية في أوكرانيا.

ونقل بيرسون عن نائب المستشار الألماني ووزير المالية لارس كلينغبيل وصفه الدعوة الأمريكية بأنها «مقلقة»، مشيراً إلى أنه واجه الوزير الروسي خلال أحد الاجتماعات بسبب الحرب.

ولم تتوقف الخلافات عند هذا الحد، إذ أشار المقال إلى استياء أوروبي من عدم توجيه وزارة الخزانة الأمريكية دعوة إلى ممثلين عن جنوب أفريقيا، رغم كونها عضواً قديماً في مجموعة العشرين وأكبر اقتصاد في القارة الأفريقية.

التجارة تتحول إلى ساحة صراع

اقتصادياً، تبدو المنافسة أكثر حدة. فقد نقل بيرسون عن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أن مجموعة العشرين فشلت في التوصل إلى بيان مشترك بسبب اعتراض الصين على صياغة تنتقد استراتيجيتها التصديرية.

ويكشف هذا الخلاف، وفق قراءة «نيويورك تايمز»، أن الصراع بين واشنطن وبكين لم يعد محصوراً في ملفات التكنولوجيا أو الأمن، بل أصبح مرتبطاً بصورة مباشرة بمستقبل الاقتصاد العالمي ومن يملك القدرة على تحديد قواعده.

وكان بيسنت قد أثار أيضاً جدلاً عندما قال إن كندا أصغر من أن تدخل حرباً تجارية مع الولايات المتحدة، في وقت تواجه فيه واشنطن تداعيات سياساتها التجارية والجيوسياسية على الأسواق العالمية.

ويرى الباحث الصيني وو شينبو، بحسب بيرسون، أن بكين تتحرك لتحقيق هدفين رئيسيين: منع الولايات المتحدة من الانفراد بتحديد الأجندة العالمية، وتعزيز الدور الصيني في تحريك الاقتصاد العالمي.

ترامب يمنح الصين فرصة؟

ويذهب تحليل «نيويورك تايمز» إلى أن جزءاً من الفرصة التي تتحرك الصين لاستثمارها نتج عن طبيعة سياسات إدارة ترامب نفسها.

فكلما اتسعت الخلافات بين واشنطن وبعض شركائها، ازدادت قدرة بكين على تقديم نفسها كبديل أو شريك أكثر مرونة بالنسبة إلى دول تبحث عن تنويع خياراتها الدولية.

ونقل بيرسون عن رايان هاس، الدبلوماسي الأمريكي السابق والباحث في معهد بروكينغز، أن الاستراتيجية الصينية تقوم على حشد دعم «الأغلبية العالمية»، معتبراً أن مشاركة شي في التكتلات الدولية تساعد بكين على بناء سردية مفادها أن الصين تكتسب زخماً في اتجاه لعب دور أكثر مركزية على الساحة الدولية.

ولم تكن زيارة شي إلى آسيا الوسطى سوى جزء من حملة دبلوماسية أوسع، إذ استقبلت الصين خلال العام الجاري عدداً من القادة الغربيين، بينهم قادة ألمانيا وبريطانيا وكندا، فيما واصل الرئيس الصيني تحركاته نحو دول الجنوب العالمي والتكتلات الاقتصادية الصاعدة.

تحالفات بلا التزامات عسكرية

لكن بيرسون يحذر في الوقت نفسه من المبالغة في تصوير التكتلات التي تقودها الصين باعتبارها جبهة موحدة في مواجهة الغرب.

فالعلاقات بين أعضاء منظمة شنغهاي للتعاون، وكذلك داخل مجموعة «بريكس»، تشهد خلافات وتباينات كبيرة، ولا سيما بين الصين والهند.

ويشير تحليل «نيويورك تايمز» إلى أن نيودلهي لا تبدو مستعدة للانخراط في استراتيجية مواجهة مباشرة مع واشنطن، وهو ما يحد من قدرة بكين على تحويل هذه التكتلات إلى تحالف سياسي متماسك ضد الولايات المتحدة.

ويبرز موقف رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي من الحرب في أوكرانيا مثالاً على ذلك، بعدما دعا بوتين إلى إنهاء الحرب «من أجل الإنسانية»، فيما أكد الرئيس الروسي أن بلاده تتحرك في هذا الاتجاه.

منظمة شنغهاي.. قوة صاعدة أم مظلة مرنة؟

كما تكشف منظمة شنغهاي للتعاون، وفق بيرسون، حدود التعاون بين القوى المناهضة للهيمنة الأمريكية.

فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين وصف المنظمة بأنها أحد المراكز المستقلة والمؤثرة في عالم متعدد الأقطاب، مشيراً إلى أن الدول الأعضاء فيها تمثل قرابة نصف سكان العالم وأكثر من ثلث الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

لكن المنظمة ليست تحالفاً عسكرياً، والصين لا تبدو مستعدة لتقديم التزامات عسكرية مباشرة للدفاع عن روسيا أو إيران.

ونقل بيرسون عن العقيد الصيني المتقاعد تشو بو، الباحث في جامعة تسينغهوا، أن قوة هذا النموذج تكمن تحديداً في غياب الالتزامات العسكرية الصارمة، ما يجعله أقل استفزازاً وأكثر قابلية لانضمام دول مختلفة إليه.

العالم أمام مرحلة جديدة

وتخلص «نيويورك تايمز»، عبر تحليل ديفيد بيرسون، إلى أن المشهد الدولي يتجه نحو إعادة توزيع تدريجي للنفوذ، مع سعي الصين إلى توسيع خياراتها وشراكاتها، مقابل اختبار متزايد لقدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على شبكة تحالفاتها التقليدية.

ولا يعني ذلك، بالضرورة، أن الصين أصبحت بديلاً للولايات المتحدة، أو أن واشنطن فقدت موقعها القيادي، لكن المؤشرات التي يرصدها بيرسون تكشف أن قواعد المنافسة تغيرت.

فالصين لا تحتاج، في هذه المرحلة، إلى بناء تحالف عسكري شامل في مواجهة الغرب، بقدر ما تحتاج إلى توسيع شبكة العلاقات الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية التي تمنحها قدرة أكبر على التأثير.

وفي المقابل، فإن تراجع الانسجام بين واشنطن وبعض حلفائها قد يمنح بكين مساحة أوسع للتحرك، خصوصاً في الدول التي تسعى إلى تنويع شراكاتها وعدم الارتهان لقوة واحدة.

وبذلك، فإن المعركة المقبلة، وفق قراءة «نيويورك تايمز»، لن تكون فقط حول من يمتلك القوة الأكبر، وإنما حول من يستطيع بناء شبكة العلاقات الأوسع، وتقديم النموذج الأكثر جاذبية، والتأثير في الدول التي ستحدد شكل النظام العالمي الجديد.

اقرأ أيضا…

“معضلة المتاهة”.. نحو فهم إعادة تشكيل النظام الدولي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى