
في سياق التحولات المناخية التي عرفها المغرب خلال الأشهر الأخيرة، بدأت آثار التساقطات المطرية المهمة تظهر تدريجياً على عدد من القطاعات الحيوية، وعلى رأسها القطاع الفلاحي. فبعد سنوات متتالية من الجفاف وتراجع الموارد المائية، أعلنت الحكومة عن مؤشرات إيجابية تعكس بداية انتعاش نسبي للنشاط الفلاحي، مدعومة بارتفاع حقينة السدود وعودة مياه الري إلى عدد من الدوائر الفلاحية الكبرى.
استئناف النشاط الفلاحي داخل دوائر الري الكبير
في هذا السياق، أكدت الحكومة، يوم الخميس، أن التساقطات المطرية المهمة التي شهدتها المملكة مؤخراً كان لها أثر إيجابي واضح على مخزون السدود، وهو ما سيساهم في استئناف النشاط الفلاحي داخل دوائر الري الكبير بعد فترة من التوقف بسبب الجفاف.
وأوضح الناطق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى بايتاس، خلال الندوة الصحافية التي أعقبت اجتماع المجلس الحكومي، أن منطقة دكالة ستستعيد نشاطها الفلاحي بعد سنوات من توقف نظام الري الكبير، مشيراً إلى أن عودة المياه إلى هذه الدوائر ستوفر إمكانات مهمة لرفع الإنتاج الفلاحي وتعزيز فرص الشغل في القطاع.
توقف الري خلال السنوات الماضية كان له تأثير مباشر على سوق الشغل
وأشار بايتاس إلى أن توقف الري خلال السنوات الماضية كان له تأثير مباشر على سوق الشغل في العالم القروي، نظراً للدور المحوري الذي تلعبه الدوائر السقوية الكبرى في خلق فرص العمل. وأضاف أن توفر المياه حالياً سيمكن هذه المناطق من استعادة وتيرة الإنتاج بشكل تدريجي.
وبخصوص مؤشرات الموسم الفلاحي، نقل بايتاس معطيات قدمها وزير الفلاحة تفيد بأن المساحات المزروعة بالحبوب والقطاني والزراعات الكلئية بلغت حوالي 4.5 ملايين هكتار، منها 3.9 ملايين هكتار مخصصة للحبوب الخريفية الرئيسية الثلاث، وهو ما يمثل زيادة تفوق 48 في المائة مقارنة بالموسم الفلاحي السابق، ما يعزز التوقعات بتحقيق محصول مهم خلال الموسم الجاري.
الزراعات السكرية بلغت مساحتها حوالي 44 ألف هكتار
أما الزراعات السكرية فقد بلغت مساحتها حوالي 44 ألف هكتار، بزيادة تناهز 21 في المائة مقارنة بالموسم الماضي، وهو ما من شأنه المساهمة في تقليص واردات السكر. غير أن بايتاس أشار إلى أن الفيضانات الأخيرة أثرت على نحو 11 ألف هكتار من هذه الزراعات في بعض المناطق.
وفي ما يتعلق بالخضر، بلغت المساحات المزروعة بالخضر الخريفية حوالي 100 ألف هكتار إلى غاية منتصف دجنبر، مستفيدة من التساقطات المطرية، وهي المساحات التي تساهم حالياً في تزويد السوق الوطنية بالمنتجات الفلاحية.
تم زرع نحو 57 ألف هكتار إضافية من الخضروات
كما أضاف أن الدينامية الفلاحية ستتواصل خلال الفترة الشتوية، حيث تم زرع نحو 57 ألف هكتار إضافية من الخضروات، وهو رقم يفوق المعدلات السنوية المعتادة، ما يعزز قدرة الإنتاج الوطني على تلبية حاجيات السوق الداخلية.
وبالنسبة للأشجار المثمرة، سجلت مختلف الأصناف إنتاجاً مهماً، وهو ما سيوفر فرصاً إضافية للتشغيل، خصوصاً في مراحل الجني والجمع والتوضيب، رغم استمرار بعض الإكراهات المرتبطة بتوفر اليد العاملة الموسمية.
كما أكد المتحدث أن الظروف الحالية تبدو مواتية لإعادة تشكيل القطيع الوطني، بفضل الإجراءات الحكومية والدعم الذي خصص للفلاحين خلال سنوات الجفاف، خاصة ما يتعلق بدعم الشعير وتقديم إعانات مباشرة للمربين، إضافة إلى تحسن الظروف المناخية.
إعادة بناء القطيع الوطني ستساهم بدورها في تعزيز التشغيل
وأشار إلى أن تربية المواشي تعد من أكثر الأنشطة الفلاحية توفيراً لفرص الشغل، ما يعني أن إعادة بناء القطيع الوطني ستساهم بدورها في تعزيز التشغيل داخل المجال القروي.
وتطرق بايتاس أيضاً إلى انعكاسات تحسن الإنتاج الفلاحي على الصادرات، مؤكداً أن ارتفاع الإنتاج قد ينعكس إيجاباً على الأداء التصديري للقطاع.
وفي ما يخص القيمة المضافة الفلاحية، أوضح أن التوقعات تشير إلى إمكانية عودتها إلى المستويات التي تحققت خلال فترة تنفيذ مخطط المغرب الأخضر، على أن يتم الإعلان عن الأرقام النهائية خلال الأسابيع المقبلة، وربما خلال فعاليات المعرض الدولي للفلاحة.
الاعتماد الكبير على الأمطار يطرح إشكال الاستدامة
الأمطار لا تعني نهاية الأزمة المائية: التحسن الحالي في حقينة السدود يظل ظرفياً، ولا يلغي هشاشة المنظومة المائية أمام دورات الجفاف المتكررة.
الموسم الفلاحي يبقى رهين التقلبات المناخية: ارتفاع المساحات المزروعة مؤشر إيجابي، لكنه قد يتأثر في أي لحظة بتغيرات الطقس أو نقص التساقطات خلال المراحل الحاسمة من النمو.
الاعتماد الكبير على الأمطار يطرح إشكال الاستدامة: استمرار ربط الانتعاش الفلاحي بالظروف المناخية يكشف محدودية التحول نحو نموذج فلاحي أقل هشاشة وأكثر قدرة على التكيف.
الفلاحة قد تخلق فرص شغل موسمية أكثر من وظائف مستقرة: ما يعني أن تأثيرها الاجتماعي على البطالة قد يبقى محدوداً إذا لم يرافقه تطوير للصناعات الغذائية والتحويلية.
الفيضانات الأخيرة تذكير بمخاطر التطرف المناخي: فبين الجفاف والفيضانات، تظل الزراعة المغربية معرضة لصدمات مناخية متناقضة في فترة قصيرة.
إعادة تشكيل القطيع الوطني تحدٍّ طويل الأمد: فسنوات الجفاف استنزفت الثروة الحيوانية، واستعادتها تتطلب وقتاً واستثمارات مستمرة وليس فقط موسماً مطرياً جيداً.





