
روبن هود يعود بوجه أكثر قتامة وإنسانية+فيديو
لم تعد شخصية “روبن هود” في أحدث تجلياتها السينمائية ذلك الفارس الخفيف الذي يتنقل بين الأشجار بخفة ظل، ويواجه سلطة شريف نوتنغهام بابتسامة وجرأة سهم.
في فيلم “موت روبن هود” يعيد مايكل سارنوسكي صياغة الأسطورة من زاوية أكثر قتامة وعمقاً
في فيلم “موت روبن هود” (The Death of Robin Hood)، يعيد المخرج الأمريكي مايكل سارنوسكي—صاحب فيلمي “خنزير” ومكان هادئ: يوم واحد” صياغة الأسطورة من زاوية أكثر قتامة وعمقا إنسانيا.
هنا لا يظهر روبن هود كبطل أسطوري متوهج، بل كرجل أنهكته المعارك، يطارده ماضيه العنيف، وتثقل كاهله الصورة التي صنعها الناس عنه أكثر مما صنعها هو عن نفسه.
الفيلم، الذي يجمع هيو جاكمان وجودي كومر وبيل سكارسغارد، لا يكتفي بإعادة إنتاج الحكاية المعروفة، بل يحفر في جذورها الأولى، مستحضراً قسوتها الأصلية كما وردت في الحكايات الشعبية والقصائد الإنجليزية القديمة، قبل أن تُلمعها هوليوود لاحقا وتمنحها بريقها الرومانسي.

اسم روبن هود ظهر في نصوص شعرية تعود إلى القرن الرابع عشر،
فبحسب الموسوعة البريطانية، فإن اسم روبن هود ظهر في نصوص شعرية تعود إلى القرن الرابع عشر، بوصفه خارجاً على القانون يتمرد على السلطة، ويصطدم بشريف نوتنغهام، ويسرق من الأغنياء ليعيد توزيع العدالة على الفقراء.
غير أن تلك النصوص الأولى، كما تشير الموسوعة، لا تخلو من قسوة تعكس واقع العصور الوسطى، بعيداً عن الصورة الحالمة التي استقرت في المخيال السينمائي لاحقاً.
ومن هذا المنطلق، تبدو قراءة سارنوسكي محاولة لإعادة فتح السؤال الجوهري: ماذا يتبقى من البطل الشعبي حين يُجرد من هالة الأسطورة؟
منذ بدايات القرن العشرين، بدأت السينما في إعادة تشكيل ملامح روبن هود.

ففي فيلم 1922 الصامت من إخراج ألان دوان وبطولة دوغلاس فيربانكس، تحول البطل إلى أيقونة جسدية خفيفة الحركة، تقفز وتبارز وتملأ الشاشة حيوية، في تجربة كانت من أضخم إنتاجات عصرها، حيث تجاوزت تكلفتها المليون دولار، وفق معهد الفيلم الأمريكي.
هناك، لم يكن روبن هود فكرة أخلاقية بقدر ما كان جسدا سينمائيا مدهشا، يعبر بالحركة بدل الكلام، ويحول البطولة إلى أداء بصري مبهج.
ثم جاءت محطة 1938 مع فيلم “مغامرات روبن هود”، الذي أخرجه مايكل كورتيز وويليام كيلي، وبطولة إيرول فلين وأوليفيا دي هافيلاند.
في هذه النسخة، ترسخت الصورة الكلاسيكية التي عرفها العالم لاحقا: الرداء الأخضر، الغابة كفضاء للحرية، والعدالة التي تُستعاد عبر المغامرة والمرح، في إنتاج ضخم اعتمد تقنية “التكنيكولور” وأعاد صياغة الأسطورة في قالب براق.
لم تتوقف السينما عن إعادة اختراع الشخصية

ومع مرور الزمن، لم تتوقف السينما عن إعادة اختراع الشخصية. ففي نسخة ريدلي سكوت عام 2010، عبر أداء راسل كرو، ظهر روبن هود تحت اسم روبن لونغسترايد، جندياً عائداً من الحروب، يكتشف نفسه داخل صراع سياسي معقد، حيث تتراجع البطولة الفردية لصالح قراءة أكثر واقعية وخشونة للتاريخ.
أما اليوم، فإن فيلم سارنوسكي يبدو وكأنه يقف على أطراف هذا التاريخ الطويل، لا ليضيف طبقة جديدة من المجد، بل ليهز الأسطورة من الداخل.
روبن هود هنا لم يعد بطلا يُحتفى به، بل إنساناً يُسائل نفسه: ماذا بقي منه بعد كل هذه الصور التي صنعها الآخرون عنه؟
هكذا انتقلت الشخصية عبر قرن من السينما: من جسد طائر يملأ الشاشة في عشرينيات القرن الماضي، إلى بطل ملون في الثلاثينيات، إلى محارب عجوز في السبعينيات، ثم إلى مقاتل واقعي في الألفية الجديدة، وصولا إلى رجل يواجه ظلاله أكثر مما يواجه أعداءه.
None were more wicked. Experience the Death of Robin in theaters June 19th. Tickets on sale now. https://t.co/wAYXnJV3wB pic.twitter.com/bSFNls8eag
— A24 (@A24) June 4, 2026
منحت السينما روبن هود عمرا أطول من أي شخصية أسطورية أخرى
لقد منحت السينما روبن هود عمرا أطول من أي شخصية أسطورية أخرى، لكنها في كل مرة كانت تعيد تعريف جوهره: مرة كبطل مغامر، ومرة كرجل يشيخ، ومرة كرمز سياسي، ومرة ككائن يختبر هشاشته.
واليوم، في نسخته الأحدث، يبدو أن السينما لم تعد معنية فقط بصناعة الأسطورة، بل بتفكيكها أيضاً، وكأنها تسأله أخيراً: كم كلّفك أن تصبح أسطورة؟
المصدر: صحافة أجنبية متخصصة





