الرئسيةرأي/ كرونيك

التنمية في المغرب تبدأ من التعليم

تنمية الأخلاق والآفاق والمعرفة… قبل إصلاح البنيات والمناهج

بقلم: بثينة المكودي

حين نتحدث عن التنمية في المغرب، غالباً ما ينصرف النقاش إلى الاقتصاد والاستثمار والبنيات التحتية وفرص الشغل، بينما يبقى التعليم في كثير من الأحيان حاضراً في الخطاب، وغائباً بالقدر الكافي عن جوهر السياسات العمومية.

والحقيقة أن أي تنمية مستدامة لا يمكن أن تقوم على الطرق والمصانع والمشاريع وحدها، بل تحتاج قبل كل شيء إلى الإنسان القادر على التفكير، والإبداع، وتحمل المسؤولية، واحترام القانون، والتعايش مع الآخرين.

فمتى تتحرك عجلة التعليم بالسرعة التي نريد أن تتحرك بها عجلة التنمية؟

السؤال ليس جديداً، لكن الإجابة عنه أصبحت أكثر إلحاحاً. فالمغرب راكم خلال السنوات الأخيرة أوراشاً إصلاحية مهمة، غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تغيير المناهج أو بناء المؤسسات التعليمية، بل في إعادة الاعتبار للمدرسة باعتبارها فضاءً لصناعة الإنسان، وليس مجرد مكان للحصول على شهادة.

المدرسة التي نحتاجها

نحتاج إلى مدرسة تزرع الأخلاق قبل النقاط، والمعرفة قبل الحفظ، والفضول قبل الخوف من الخطأ.

فالطفل الذي يتعلم احترام الآخر، واحترام الاختلاف، والمحافظة على الممتلكات العامة، والالتزام بالمسؤولية، والعمل الجماعي، والصدق في إنجازاته، هو في المستقبل مواطن يساهم في بناء مجتمع أكثر توازناً.

التنمية ليست أرقاماً اقتصادية فقط. إنها أيضاً سلوك يومي.

حين يحترم المواطن القانون، وحين يؤدي الموظف عمله بإتقان، وحين يحافظ التلميذ على مدرسته، وحين يرفض الشاب الغش والزبونية، وحين تصبح الكفاءة معياراً للاختيار، فإننا نكون أمام تنمية حقيقية تبدأ من الإنسان قبل أن تظهر في المؤشرات الاقتصادية.

من تعليم الشهادة إلى تعليم الحياة

لقد تغير العالم بسرعة، بينما ما زال جزء من التعليم يتعامل مع المعرفة وكأنها مجموعة من المعلومات التي ينبغي حفظها واسترجاعها في الامتحان.

لكن سوق العمل والمجتمع يحتاجان اليوم إلى شيء مختلف: شخص يستطيع أن يحلل، ويناقش، ويبتكر، ويبحث عن الحلول، ويتعامل مع التكنولوجيا، ويتعلم باستمرار.

لم يعد السؤال الأساسي هو: ماذا حفظ التلميذ؟

بل أصبح: ماذا يستطيع أن يفعل بما تعلمه؟

وهنا تبرز الحاجة إلى تعليم يمنح أبناءنا أفقاً أوسع من حدود الكتاب المدرسي، ويعرفهم على العلوم والفنون والثقافة والتكنولوجيا والاقتصاد والمواطنة، ويمنحهم القدرة على اكتشاف مواهبهم بدل دفعهم جميعاً نحو نموذج واحد من النجاح.

المدرس هو قلب الإصلاح

لا يمكن الحديث عن إصلاح التعليم دون الحديث عن المدرس.

فالمناهج مهما كانت متطورة، والتجهيزات مهما كانت حديثة، لن تحقق النتائج المرجوة إذا لم يشعر المدرس بقيمة دوره ومكانته داخل المجتمع.

المدرس ليس ناقلاً للمعلومة فقط، بل هو قدوة ومربٍّ وصانع للأجيال. لذلك فإن الاستثمار في تكوينه المستمر، وتحسين ظروف اشتغاله، وتعزيز مكانته المهنية، وربط المسؤولية بالتقييم والمحاسبة، يجب أن يكون في قلب أي إصلاح جدي.

التنمية تبدأ من القسم

قد تبدو عبارة “التنمية تبدأ من القسم” بسيطة، لكنها تحمل معنى عميقاً.

ففي القسم يتعلم الطفل كيف يصغي، وكيف يحاور، وكيف يختلف دون أن يكره، وكيف ينجح دون أن يحتقر الآخرين، وكيف يفشل دون أن يستسلم.

وفي القسم يمكن أن يتعلم معنى المسؤولية والانضباط والعمل الجماعي، وهي قيم سترافقه لاحقاً في الجامعة والإدارة والمقاولة والمجتمع.

لذلك فإن إصلاح التعليم ليس ورشاً تقنياً فقط، بل هو مشروع مجتمعي طويل المدى.

نحتاج إلى تغيير النظرة إلى النجاح

من أكبر التحديات أيضاً أن المجتمع لا يزال يختزل النجاح في الحصول على شهادة أو وظيفة معينة، بينما يحتاج الاقتصاد الوطني إلى مختلف المهارات والمهن والتخصصات.

نحتاج إلى أن نعيد الاعتبار للتكوين المهني، وللحرف، وللمهن التقنية، وللابتكار والمقاولة، وأن نربي أبناءنا على أن قيمة الإنسان لا تقاس فقط بعنوان الوظيفة أو مقدار الراتب، وإنما بما يقدمه لمجتمعه وبمستوى إتقانه لعمله.

عجلة التعليم تحتاج إلى نفس طويل

إصلاح التعليم لا يمكن أن يكون موسمياً، ولا ينبغي أن يخضع لمنطق النتائج السريعة.

جيل اليوم هو الذي سيقود المغرب بعد عقدين أو ثلاثة. وبالتالي فإن الاستثمار في المدرسة اليوم قد لا تظهر نتائجه كاملة غداً، لكنه سيحدد شكل المجتمع والاقتصاد والدولة في المستقبل.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: كم أنفقنا على التعليم؟ بل أيضاً: ماذا أنتج هذا الاستثمار من إنسان؟

هل أنتج مواطناً واثقاً من نفسه، واسع الأفق، متمكناً من المعرفة، معتزاً بقيمه، قادراً على التفكير النقدي، وقادراً على المنافسة في عالم سريع التغير؟

إذا كانت الإجابة لا تزال دون الطموح، فإن الطريق أمامنا ما زال طويلاً.

إن المغرب لا يحتاج فقط إلى مدرسة أفضل، بل يحتاج إلى فلسفة تعليمية جديدة تجعل الأخلاق والمعرفة والمهارات والآفاق في صلب العملية التربوية.

فالتنمية الحقيقية لا تبدأ عندما تُدشّن المشاريع، وإنما عندما يدخل طفل إلى قسمه ويجد تعليماً يمنحه القدرة على أن يصبح غداً طبيباً أو مهندساً أو مدرساً أو حرفياً أو باحثاً أو مقاولاً أو مواطناً صالحاً، والأهم من ذلك كله: إنساناً قادراً على أن يضيف شيئاً إلى وطنه.

وعندما تتحرك عجلة التعليم بهذه الروح، ستتحرك معها، وبقوة، عجلة التنمية.

فلا تنمية بلا إنسان، ولا إنسان يُبنى من دون تعليم جيد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى