الرئسيةبيئةحول العالم

زلازل متزامنة تهز مناطق متفرقة من العالم

سجلت مناطق متفرقة من العالم، خلال الساعات الأخيرة، سلسلة من الزلازل متفاوتة القوة، تصدرها زلزال قوي قبالة جزيرة فلوريس الإندونيسية، بالتزامن مع هزات أرضية في إسبانيا والسلفادور والفلبين وروسيا وباكستان ومناطق أخرى.

وأعاد هذا التزامن إلى الواجهة سؤالاً يثير القلق كلما تكررت أخبار الزلازل في فترة زمنية قصيرة: هل يتعلق الأمر بارتفاع استثنائي في النشاط الزلزالي على مستوى العالم، أم أن الأمر لا يتجاوز تزامناً بين هزات تحدث في مناطق تكتونية مختلفة؟

زلزال قوي في إندونيسيا يتصدر المشهد

كان الزلزال الأقوى المسجل خلال هذه الفترة في إندونيسيا، حيث بلغت قوته 7.7 درجات، وفق بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، ووقع على عمق ضحل نسبياً قبالة منطقة إندي، شمال غربي جزيرة فلوريس.

وأثار وقوع الزلزال في البحر وعلى عمق محدود مخاوف من احتمال حدوث موجات تسونامي، ما دفع السلطات إلى إصدار تحذير احترازي قبل رفعه لاحقاً.

وأعقب الزلزال الرئيسي عدد من الهزات الارتدادية القوية، من بينها هزات بلغت قوتها 6.1 و5.9 و5.6 و5.5 درجات، في مؤشر على استمرار إعادة توزيع الضغوط داخل القشرة الأرضية بعد الهزة الرئيسية.

وتبقى حصيلة الخسائر البشرية والمادية قابلة للتغيير مع استمرار عمليات التقييم والوصول إلى المناطق المتضررة.

وتُعد إندونيسيا من أكثر مناطق العالم نشاطاً من الناحية الزلزالية، بسبب موقعها ضمن نطاق التقاء صفائح تكتونية نشطة في منطقة المحيط الهادئ، المعروفة على نطاق واسع بـ«حزام النار».

هزة بقوة 5.2 درجات تهز جنوب إسبانيا

وفي جنوب إسبانيا، سجلت هزة أرضية بلغت قوتها 5.2 درجات، بالقرب من بلدة أوتورا في محيط غرناطة.

ويتميز جنوب إسبانيا وبحر البوران وشمال المغرب بنشاط زلزالي معروف، نتيجة التقارب الجيولوجي بين الصفيحتين الإفريقية والأوراسية.

ولا يعني وقوع هذه الهزة وجود مؤشر مباشر على احتمال وقوع زلزال كبير في المغرب، كما لا تسمح المعطيات العلمية الحالية باستخدام زلزال إسبانيا للتنبؤ بزلزال آخر.

غير أن النشاط الزلزالي في المنطقة المتوسطية يظل سبباً كافياً لاستمرار الرصد الجيولوجي والاستعداد، خصوصاً في المناطق المعروفة تاريخياً بتعرضها للهزات.

هزات أخرى من السلفادور إلى آسيا

ولم يقتصر النشاط الزلزالي المسجل خلال الفترة نفسها على إندونيسيا وإسبانيا.

ففي السلفادور، سجلت هزة بقوة 5.5 درجات، بينما شهدت جزر كيرماديك زلزالاً بقوة 5.6 درجات.

كما سجلت الفلبين هزات تجاوزت قوتها خمس درجات، في حين شهد أقصى الشرق الروسي زلزالاً بقوة 5.4 درجات بالقرب من سيفيرو كوريلسك، إضافة إلى هزة بقوة 5.1 درجات في باكستان.

وتبدو هذه الأحداث، رغم تقاربها الزمني، مرتبطة في الأساس بالأنظمة التكتونية المحلية التي تنشط فيها كل منطقة، وليس بحدث زلزالي عالمي واحد.

هل هناك رابط بين هذه الزلازل؟

التزامن الزمني لا يعني بالضرورة وجود علاقة جيولوجية مباشرة.

صحيح أن الزلازل الكبرى يمكن، في ظروف معينة، أن تسبب ما يعرف بـ«التحفيز الزلزالي عن بعد»، إذ يمكن للموجات الزلزالية أن تؤثر في مناطق متصدعة أو نشطة أصلاً، إلا أن ذلك لا يعني أن كل زلزال يقع في العالم بعد زلزال كبير يكون ناتجاً عنه.

كما لا توجد، وفق المعطيات العلمية المتاحة، أدلة تثبت وجود ظاهرة تسمى «الزلزال العالمي» أو تشير إلى أن الأرض دخلت مرحلة استثنائية من النشاط الزلزالي بسبب هذه الهزات المتزامنة.

فالزلازل ظاهرة طبيعية مستمرة، وتحدث يومياً في مناطق مختلفة من الكوكب، معظمها ضعيف ولا يشعر به السكان.

هل ارتفع فعلاً عدد الزلازل؟

قد توحي كثافة الأخبار ومقاطع الفيديو المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي بأن العالم يشهد موجة غير مسبوقة من الزلازل.

لكن الصورة العلمية أكثر تعقيداً.

فشبكات الرصد الحديثة أصبحت قادرة على تسجيل عدد أكبر بكثير من الهزات الصغيرة مقارنة بالماضي، كما أن سرعة تداول الأخبار جعلت الزلزال الذي يقع في منطقة نائية يصل إلى الجمهور العالمي خلال دقائق.

وتشير البيانات الزلزالية طويلة المدى إلى أن تسجيل عدد من الهزات التي تتجاوز قوتها خمس درجات خلال فترة قصيرة لا يكفي وحده للقول إن النشاط الزلزالي العالمي ارتفع بصورة استثنائية.

قوة الزلزال ليست وحدها معيار الخطر

لا تعني قوة الزلزال بالضرورة حجم الكارثة التي قد يخلفها.

فزلزال قوي يقع في منطقة بحرية بعيدة قد لا يتسبب في خسائر كبيرة، بينما يمكن لزلزال أقل قوة أن يؤدي إلى أضرار واسعة إذا وقع بالقرب من مدينة مكتظة بالسكان أو في منطقة تنتشر فيها المباني غير المقاومة للهزات.

وتتداخل عوامل عديدة في تحديد حجم الخسائر، من بينها عمق البؤرة، والمسافة عن المناطق المأهولة، وطبيعة التربة، وجودة المباني، ومدة الاهتزاز، إضافة إلى جاهزية فرق الإنقاذ وسرعة تدخل السلطات.

كما أن الفرق بين درجات الزلازل ليس بسيطاً؛ فزيادة درجة واحدة على مقياس القوة تعني ارتفاعاً كبيراً في الطاقة المنطلقة.

العلماء لا يستطيعون تحديد موعد الزلزال المقبل

وبالرغم التطور الكبير في أجهزة الرصد والنماذج الجيولوجية، لا يزال العلم عاجزاً عن تحديد موعد ومكان وقوة زلزال كبير بدقة مسبقة.

ويمكن للعلماء تحديد المناطق الأكثر عرضة للخطر، ودراسة احتمالات وقوع الزلازل على المدى الطويل، إضافة إلى تقديم تقديرات للهزات الارتدادية عقب الزلازل الكبرى، لكن التنبؤ الدقيق بزلزال قبل حدوثه ما يزال غير ممكن.

لذلك فإن المنشورات التي تحدد تاريخاً أو ساعة معينة لوقوع زلزال كبير، أو تزعم امتلاك معلومات سرية حول «زلزال وشيك»، لا تستند إلى منهج علمي موثوق.

الوقاية تبقى السلاح الأهم

أمام استحالة التنبؤ الدقيق، تظل الوقاية والاستعداد أفضل وسيلة للحد من الخسائر.

ويشمل ذلك احترام معايير البناء المقاوم للزلازل، ومراقبة المنشآت القديمة، وتوعية السكان بطرق التصرف أثناء الهزات، وتجهيز فرق الإنقاذ والطوارئ، وتحديث خطط الإخلاء في المناطق المعرضة للخطر.

وعند حدوث هزة، ينصح بالاحتماء تحت طاولة أو قطعة أثاث متينة، والابتعاد عن النوافذ والأجسام القابلة للسقوط، وعدم استخدام المصاعد. أما في المناطق الساحلية، فيجب الالتزام فوراً بأي تحذير رسمي من تسونامي والتوجه إلى مناطق مرتفعة عند صدوره.

جدير بالذكر ، ان توالي الزلازل من إندونيسيا إلى إسبانيا والسلفادور وروسيا والفلبين وباكستان يستحق المتابعة العلمية، لكنه لا يشكل، وفق المعطيات المتاحة، دليلاً على «كارثة زلزالية عالمية» وشيكة.

وبين التهويل الذي يغذي الخوف والتهوين الذي يقلل من أهمية الاستعداد، تبقى الحقيقة العلمية واضحة الزلازل جزء طبيعي من دينامية الأرض، والخطر الحقيقي لا يكمن في مجرد تزامنها، بل في مدى استعداد المجتمعات للتعامل معها عندما تقع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى