
وجهت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان انتقادات حادة إلى ما وصفته باستمرار حملة الاعتقالات والمتابعات القضائية في حق مواطنين ونشطاء، على خلفية مواقف وتدوينات تنتقد سياسات الدولة، معتبرة أن المقاربة الأمنية والقضائية لا يمكن أن تحجب الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تقف وراء موجات النزوح الجماعي الأخيرة في اتجاه سبتة ومليلية.
وقالت الجمعية، في بلاغ صادر عن مكتبها المركزي، إن عددا من الموقوفين يتابعون على خلفية التعبير عن مواقف معارضة أو انتقادية، في سياق اعتبرته مقلقا من الناحية الحقوقية، داعية إلى وقف المتابعات والإفراج عن المعتقلين الذين ترى أنهم سُجنوا بسبب آرائهم ومواقفهم.
وفي هذا السياق، استنكرت الجمعية اعتقال مواطنين ومواطنات على خلفية تدوينات وتصريحات تناولت مسؤولية الدولة عن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي ساهمت، بحسبها، في دفع عدد من الشباب إلى محاولة الهجرة الجماعية نحو سبتة.
كما سجلت، على وجه الخصوص، اعتقال سيدة من العرائش بسبب تصريح حملت فيه الدولة مسؤولية النزوح الجماعي نحو المدينة المحتلة.
رفض الحكم على أشرف بيوض
وعبرت الجمعية عن رفضها للحكم الصادر في حق الشاب أشرف بيوض، والقاضي بسجنه 20 شهراً نافذاً، على خلفية متابعته بسبب منشورات ومقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي تضمنت، وفق البلاغ، انتقادات ومواقف معارضة.
وطالبت بالإفراج عنه وإسقاط المتابعة في حقه، معتبرة أن التعبير عن المواقف والانتقادات لا ينبغي أن يفضي إلى عقوبات سالبة للحرية.
كما أعربت عن بالغ انشغالها باستمرار محاكمة عدد من معتقلي ما يعرف بـ”جيل زد” أمام محكمة الاستئناف بالرباط، إلى جانب استمرار اعتقال آخرين، بينهم قاصرون، لأكثر من عشرة أشهر دون محاكمة، وما يترتب عن ذلك من معاناة للمعتقلين وعائلاتهم. وجددت دعوتها إلى الإفراج عنهم ورفع المتابعات القضائية في حقهم.
اعتقالات على خلفية محاولات الهجرة
وتوقفت الجمعية عند متابعة أكثر من 50 شخصاً، بينهم 18 قاصراً، على خلفية محاولة اختراق معبر بني نصار، مشيرة إلى إيداعهم السجن قبل إحالتهم على النيابة العامة. كما سجلت متابعة 59 شخصاً في حالة اعتقال على مستوى تطوان، بينهم قاصرون.
وأبدت الجمعية استغرابها من أحكام الإدانة الصادرة في حق عدد من سائقي سيارات الأجرة بمدينة تطوان، على خلفية نقل أشخاص وصفوا بـ”مرشحي الهجرة” إلى الفنيدق، معتبرة أن هذه المتابعات تندرج ضمن سياق أوسع من التعامل الأمني والقضائي مع تداعيات ظاهرة الهجرة الجماعية.
النزوح الجماعي يكشف عمق الأزمة الاجتماعية
وحذرت الجمعية من أن موجات النزوح الجماعي غير المسبوقة نحو سبتة ومليلية تعكس، في جانب منها، حجم الإحباط الاجتماعي وتطلع فئات واسعة إلى البحث عن فرص للعيش الكريم خارج البلاد.
واعتبرت أن ما جرى يستدعي مراجعة جذرية للسياسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بما يجعل المواطنات والمواطنين في صلب هذه السياسات، وليس على هامشها، مؤكدة أن معالجة ظاهرة الهجرة لا يمكن أن تقتصر على المقاربة الأمنية، وإنما تقتضي معالجة الأسباب العميقة التي تدفع الشباب إلى المخاطرة بحياتهم بحثاً عن مستقبل أفضل.
قلق بشأن أوضاع المهاجرات في سبتة
وفي السياق ذاته، عبرت الجمعية عن قلقها إزاء ما قالت إنه فتح تحقيقات بشأن حالات اغتصاب تعرضت لها مهاجرات قاصرات في سبتة، محذرة من المخاطر التي تواجه النساء والفتيات المهاجرات في ظل الظروف الصعبة التي أفرزتها أزمة النزوح الجماعي.
وطالبت الدولة بتحمل مسؤوليتها عبر تمثيليتها الدبلوماسية هناك، والعمل على مواكبة هؤلاء النساء والفتيات وتوفير الدعم النفسي والقانوني الضروري لهن.
غلاء الأسعار وأزمة المياه
ولم يقتصر بلاغ الجمعية على ملف الهجرة والاعتقالات، بل تطرق أيضاً إلى الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، مسجلاً ما وصفه بتفاقم معاناة المغاربة بسبب ارتفاع الأسعار، إلى جانب أزمة العطش التي تعاني منها مدن وقرى عدة نتيجة ندرة المياه والانقطاعات المتكررة، في ظل صيف يعرف ارتفاعاً كبيراً في درجات الحرارة.
ودعت الجمعية إلى اتخاذ إجراءات عاجلة للتخفيف من هذه الأوضاع، من خلال دعم المواد الأساسية، وتشديد مراقبة الأسعار، والرفع من الأجور، وضمان توجيه الموارد المائية المتاحة بالشكل الأمثل لتلبية حاجيات السكان.
رفض الهدم والتهجير
كما طالبت بوقف عمليات الهدم والتهجير والإخلاء القسري التي تشهدها عدد من المدن، داعية إلى تعويض المتضررين بشكل مناسب وكاف، وتوفير بدائل سكنية للأسر التي فقدت مساكنها ولا تملك القدرة على تحمل تكاليف البناء أو الإيجار.
وفي ملف التعليم، دعت الجمعية وزارة التعليم العالي إلى إلغاء الرسوم المفروضة على الأجراء الراغبين في متابعة دراستهم العليا، معتبرة أن تسهيل ولوجهم إلى التعليم الجامعي من شأنه أن يساهم في تطوير مستواهم المعرفي والأكاديمي، وينعكس إيجاباً على أدائهم المهني والوظيفي.
وبذلك، تضع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان موجة النزوح الأخيرة في سياق أوسع يتجاوز تدبير الحدود والمقاربة الأمنية، وترى فيها مؤشراً على اختلالات اجتماعية واقتصادية وحقوقية تستدعي، بحسب موقفها، معالجة سياسية ومؤسساتية عميقة بدل الاكتفاء باحتواء نتائجها.





