
غياب الدرقاوي.. وذاكرة السينما تبكي+فيديوهات
برحيل المخرج المغربي مصطفى الدرقاوي، مساء أمس عن عمر ناهز 82 سنة، تفقد السينما المغربية واحدا من أبرز وجوهها وأكثرها فرادة، ورمزا لجيل من السينمائيين الذين لم ينظروا إلى الفن السابع باعتباره مجرد صناعة للفرجة، بل جعلوا منه مساحة للتفكير والتمرد وطرح الأسئلة حول الإنسان والمجتمع والتحولات التي عاشها المغرب.
ساهم الراحل في بناء ملامح السينما المغربية الحديثة
كان الدرقاوي من الأسماء التي أسهمت، منذ سبعينيات القرن الماضي، في بناء ملامح السينما المغربية الحديثة، وترك بصمته الخاصة داخل تجربة وطنية كانت لا تزال تشق طريقها وسط صعوبات الإنتاج وقلة الإمكانيات.
وقد اختار الراحل أن يسلك طريقا مختلفا، بعيدا عن القوالب الجاهزة، فصنع لنفسه لغة سينمائية متميزة، امتزج فيها المسرح بالأدب والفكر والموسيقى، وانفتح فيها الفيلم على أسئلة الواقع الإنساني والاجتماعي والسياسي.
ولم تكن أفلام الدرقاوي مجرد أعمال تمر على الشاشة ثم تنتهي، بل كانت تجارب تحمل قلق صاحبها وأسئلته، وتبحث عن معنى مختلف للصورة والحكاية.
ظل اسم الدرقاوي مرتبطا بتيار سينمائي حداثي
لذلك ظل اسمه مرتبطا بتيار سينمائي حداثي حاول أن يمنح للسينما المغربية صوتا أكثر جرأة واختلافا، وأن يجعل منها مرآة للتحولات والتناقضات التي عرفها المجتمع.

وخلال مسيرة امتدت لعقود، أخرج الراحل عددا من الأفلام التي أصبحت جزءا من ذاكرة السينما المغربية، من بينها «أحداث بلا دلالة»، و«أيام شهرزاد الجميلة»، و«عنوان مؤقت»، و«أبواب الليل السبعة»، و«رماد الزريبة»، و«غراميات الحاج المختار الصولدي».
كما حقق نجاحا جماهيريا لافتا بفيلم «الدار البيضاء باي نايت» سنة 2003، في تجربة عكست قدرته على الجمع بين هواجس السينمائي الباحث عن التجديد وروح المخرج القادر على الوصول إلى الجمهور.
جمع الراحل بين كتابة السيناريو والتمثيل والمونتاج والإنتاج
وعلى امتداد حياته الفنية، لم يكتف الدرقاوي بالإخراج، بل جمع بين كتابة السيناريو والتمثيل والمونتاج والإنتاج، وظل وفيا للسينما رغم فترات الانقطاع والأزمات التي أبعدته عن الساحة.
وبعد سنوات من الغياب، عاد سنة 2023 بفيلم «حميدة الجايح»، في عودة بدت أشبه باستعادة رجل لجزء من حياته التي لم يتخل عنها يوما.
ولد مصطفى عبد الكريم الدرقاوي سنة 1944 بمدينة وجدة، وتلقى تكوينه الأول في معهد الدراما بالدار البيضاء، قبل أن يحصل على البكالوريا في الآداب، شعبة الفلسفة، سنة 1962.
ثم انتقل إلى بولندا لمتابعة دراسته بالمدرسة الوطنية العليا للسينما والمسرح والتلفزيون، وهناك تعزز تكوينه السينمائي الذي سيترك أثره لاحقا في اختياراته الفنية.
وفي بداياته، أنجز الدرقاوي عددا من الأفلام القصيرة، من بينها «الجدران الأربعة» و«تبني» و«ذات يوم في مكان ما»، قبل أن ينتقل إلى الأفلام الطويلة ويكرس اسمه واحدا من المخرجين الذين أسهموا في نقل السينما المغربية من مرحلة البحث عن حضورها إلى مرحلة البحث عن هويتها وأسئلتها الخاصة.
انطفاء كاميرا ظلت لعقود تبحث عن الإنسان خلف الصورة
برحيله، لا تغيب فقط قامة فنية مغربية، بل تنطفئ كاميرا ظلت لعقود تبحث عن الإنسان خلف الصورة، وتفتش عن الأسئلة التي غالبا ما يخشى الآخرون طرحها. وسيظل مصطفى الدرقاوي، بما تركه من أفلام ومواقف وتجارب، حاضرا في ذاكرة السينما المغربية، شاهدا على زمن كان فيه الإيمان بالسينما مغامرة، وكان الاختلاف اختيارا فنيا ووجوديا.
اقرأ أيضا…
محمد بكريم يكتب: مصطفى الدرقاوي – دجيبريل ديوب مامبتي.. سينما إفريقية جديدة





