الرئسيةسياسة

من الاستقلال ل«السنبلة».. شباط يختبر قوته بفاس

سنضع جانبا، في هذا المقال، طبيعة الانتخابات التي تجري في المغرب، حيث يبدو أن كل شيء حاضر في المشهد الانتخابي باستثناء التنافس الحقيقي حول البرامج. فالبرامج والسياسات الكبرى لا تُصنع بالضرورة داخل الحملات الانتخابية، ولا تتحدد ملامحها في ساحات التنافس الحزبي، بل تُطبخ في أماكن أخرى، بينما ينحصر دور الأحزاب، في جزء كبير منه، في التنافس حول من سيكون أكثر قدرة وفعالية في تنفيذها، ومن يحظى بأكبر قدر من الثقة لدى صناعها الفعليين. ومن هذه الزاوية تحديدا، يصبح انتقال حميد شباط وعائلته إلى حزب الحركة الشعبية أكثر من مجرد تغيير للانتماء الحزبي، إذ يكشف عن طبيعة أخرى من التنافس الانتخابي، عنوانها الأساسي هو النفوذ، والقدرة على التعبئة، وحجم الثقة التي يمكن أن يمنحها كل طرف للآخر. وهنا يبرز السؤال: هل التحقت عائلة شباط بالحركة الشعبية، أم أن الحركة الشعبية وجدت في شباط وعائلته اختصارا لطريقها نحو استعادة موقعها في الخريطة الانتخابية لفاس؟

 فاس أمام اختبار إعادة تدوير النفوذ

لم يعد التحاق حميد شباط وعائلته بحزب الحركة الشعبية مجرد انتقال من لافتة حزبية إلى أخرى، بل أصبح واحدا من أبرز مؤشرات إعادة ترتيب الخريطة الانتخابية بفاس قبل تشريعيات 23 شتنبر.

فإعلان «السنبلة» رسميا استقطاب الأمين العام السابق لحزب الاستقلال والعمدة الأسبق للعاصمة العلمية، وتزكية ابنته ريم وكيلة للائحة فاس الشمالية، بالتوازي مع الدفع بخالد العجلي في فاس الجنوبية، يطرح سؤالا يتجاوز الانتماء الحزبي: “هل دخل شباط إلى الحركة الشعبية، أم أن الحركة الشعبية دخلت إلى قلعة شباط؟”

صفقة نفوذ أكثر منها صفقة أسماء

في السياسة الانتخابية، لا تنتقل الشخصيات وحدها؛ تنتقل معها، بدرجات متفاوتة، شبكات العلاقات والذاكرة الانتخابية والقدرة على التعبئة، وهذا بالضبط ما تراهن عليه الحركة الشعبية في فاس: استثمار اسم راكم حضورا سياسيا ونقابيا ومحليا على مدى سنوات، وتحويله إلى رصيد انتخابي في مدينة اعتادت أن تكون ساحة تنافس قوية بين الأحزاب.

في المقابل، تمنح «السنبلة» شباط وعائلته منصة جديدة لخوض السباق، بعدما انتقلت ريم شباط من تجربة جبهة القوى الديمقراطية إلى الحركة الشعبية، فيما انتقل خالد العجلي، الذي سبق أن فاز بمقعد برلماني في انتخابات جزئية باسم التجمع الوطني للأحرار، إلى المعسكر الجديد. وقد حصل العجلي في تلك الانتخابات على 9767 صوتا مقابل 3854 لأقرب منافسيه، وهي نتيجة تكشف أن الحزب لا يستقطب اسما سياسيا فقط، بل مرشحا يملك تجربة انتخابية حديثة.

لكن القاعة ليست صندوق الاقتراع

الهتافات التي رافقت ظهور شباط وابنته في لقاء الحركة الشعبية، وتوقف محمد أوزين أكثر من مرة أمام حماس أنصار شباط، تقدم صورة عن الحضور الذي ما زال الاسم قادرا على تحريكه، غير أن السياسة الانتخابية لا تقاس بحجم التصفيق داخل القاعات، بل بقدرة التعبئة على الوصول إلى الأحياء ومراكز الاقتراع.

وهنا يكمن الاختبار الحقيقي: “هل يستطيع شباط نقل نفوذه الشخصي إلى حزب جديد، أم أن جزءا من ذلك النفوذ مرتبط بالذاكرة أكثر مما هو مرتبط باللائحة الحزبية؟”

فالأصوات لا تنتقل بالضرورة مع الأشخاص، والولاءات الانتخابية ليست ملكية خاصة يمكن نقلها من حزب إلى آخر، ولذلك ستكون تشريعيات شتنبر أول امتحان فعلي لمعرفة ما إذا كانت «السنبلة» قد استقطبت قاعدة انتخابية أم مجرد أسماء ذات رصيد سياسي.

ريم شباط.. اختبار الاسم خارج ظله

هذا و تضيف تزكية ريم شباط في فاس الشمالية بعدا آخر إلى المعادلة، فالمطلوب منها لن يكون فقط استثمار الاسم العائلي، بل إثبات أن هذا الاسم قادر على إعادة إنتاج نفسه في حزب مختلف.

وهذا تحد سياسي حقيقي: فكلما كان الإرث العائلي ثقيلا، ارتفعت معه كلفة الاختبار، وستكون النتيجة مؤشرا ليس فقط على مستقبل ريم السياسي، وإنما على مدى قدرة شبكات النفوذ التقليدية على الاستمرار في بيئة انتخابية تتغير فيها أولويات الناخبين.

فاس التي تحتاج إلى الشغل لا تصوت للذاكرة وحدها

تجري المعركة أيضا داخل سياق اجتماعي لا يسمح للأحزاب بالاعتماد على الرمزية وحدها، فقد بلغ معدل البطالة وطنيا 10.8% خلال الفصل الأول من 2026، فيما ارتفع المعدل في الوسط الحضري إلى 13.5%، وفق المندوبية السامية للتخطيط، وهذه المؤشرات تجعل سؤال الشغل والدخل والخدمات جزءا من المعادلة الانتخابية، لا مجرد خلفية إحصائية.

ومن هنا، فإن الرهان على الأسماء سيصطدم باختبار أكثر صعوبة: هل تستطيع الوجوه الجديدة والقديمة معا تقديم إجابات مقنعة لمدينة لا تختزل حاجاتها في التمثيلية البرلمانية؟ الناخب الذي يبحث عن فرصة عمل، وخدمات عمومية أفضل، ونقل وسكن لائق، قد يستمع إلى الذاكرة السياسية، لكنه سيحاسب في النهاية على الحاضر.

العجلي يكمل هندسة «السنبلة»

استقطاب خالد العجلي إلى فاس الجنوبية يكشف أن الحركة الشعبية لا تريد بناء رهانها على شباط وحده، فالحزب يجمع بين اسم سياسي ذي امتداد محلي طويل ووجه راكم تجربة انتخابية حديثة، في محاولة لتوسيع حضوره في الدائرتين الشمالية والجنوبية معا.

لكن هذه الهندسة تظل رهينة بسؤال واحد: هل يتحول هذا التجميع إلى قوة حزبية مستقرة، أم يبقى مجرد تحالف انتخابي ظرفي جمع شخصيات تبحث عن أفضل منصة لخوض الاستحقاق؟

الصندوق وحده سيحسم الصفقة

في النهاية، لا يكفي أن تنجح الحركة الشعبية في استقطاب شباط والعجلي؛ المطلوب أن تنجح في “تحويل النفوذ الشخصي إلى أصوات، والأصوات إلى مقاعد، والمقاعد إلى حضور سياسي مستدام”.

أما شباط، فعليه أن يثبت أن انتقاله إلى «السنبلة» لم يكن مجرد محطة جديدة في مسار طويل من التحولات الحزبية، بل عودة فعلية إلى قلب المنافسة السياسية بفاس.

وهنا ستصدر صناديق الاقتراع الحكم النهائي: إما أن تكون الحركة الشعبية قد نجحت في تحويل إرث شباط إلى رصيد حزبي، أو أن تكتشف أن ما استقطبته لم يكن قاعدة انتخابية قابلة للنقل، بل ذاكرة سياسية مرتبطة بشخص أكثر من ارتباطها بلون الحزب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى