
التبات تكتب: الديمقراطية: السؤال هو المجتمع
« إن تركيب الحرية والمساواة هو الخاصية الأساسية للديمقراطية.»
— هانز كيلسن، كتاب (جوهر الديمقراطية وقيمتها)
مما قد يبدو غريبا أن الديمقراطية الحديثة عند الدولة أنها أقامت المساواة -المفترضة- داخل المجال السياسي فوق أرض اجتماعية أو جغرافية تنتج اللامساواة باستمرار .
بقلم: ابتسام تابث
تتخذ اللامساواة وجها طبقيا ومجاليا يعيد إنتاج الفوارق في توزيع الثروة والفرص ومواقع القوة
يتساوى المواطنون لحظة الاقتراع، فيما تتفاوت مواقعهم داخل الثروة والتعليم والمعرفة والقدرة على التأثير والدفاع عن المصالح، كما تتفاوت شروط وجودهم تبعا للمجال الجغرافي والاجتماعي الذي ينتمون إليه؛ فتتخذ اللامساواة وجها طبقيا ومجاليا يعيد إنتاج الفوارق في توزيع الثروة والفرص ومواقع القوة.
ومن هذا التباين خرج السؤال الذي ظل يلاحق الفكر السياسي والاجتماعي: كيف تمارس السيادة الشعبية داخل بنية اجتماعية تتوزع فيها القوة والثروة ووسائل التأثير توزيعا غير متكافئ؟ ومن يملك شروط تحويل الإرادة الاجتماعية إلى قوة سياسية قادرة على التأثير في اتجاه الدولة والمجتمع؟
الصراع الديمقراطي متصلا بالصراع حول امتلاك شروط القوة السياسية
هنا يتجاوز السؤال الديمقراطي حدود الاقتراع إلى بنية السلطة الموروثة والسياق الاجتماعي المفروض تاريخيا والمجال الجغرافي.
فالإرادة العامة (ليست الإرادة الجامعية) تتشكل داخل مجتمع تحكمه مصالح متعارضة ومواقع اجتماعية متفاوتة، والدولة -ان اتسمت فعلا بمقومات الدولة الحديثة- تتحرك داخل موازين قوة ترسم حدود القرار السياسي واتجاهاته.
ومن هذه الزاوية، يصبح الصراع الديمقراطي متصلا بالصراع حول امتلاك شروط القوة السياسية، وحول قدرة الفئات الاجتماعية على تحويل مصالحها إلى إرادة جماعية وقرار مؤثر.
وقد منح ماركس لهذا السؤال بعده البنيوي فربط الأشكال السياسية بالبنية الاجتماعية وعلاقات الإنتاج، وكشف التناقض بين المساواة القانونية والتفاوت الفعلي الذي تنتجه علاقات الملكية والعمل. هكذا اتسع السؤال من «من يحكم؟» إلى «بأي شروط تنتج السلطة، ولصالح أي قوى اجتماعية تتجه؟»
المساواة السياسية لا تمارس في فراغ اجتماعي
غير أن المساواة السياسية لا تمارس في فراغ اجتماعي؛ فهي تتحدد أيضا بالشروط التي يتيحها المجال لمواطنيه.
فكما تتوزع المواقع داخل البنية الطبقية، تتفاوت شروط الحياة وإمكانات المواطنة بحسب المجال الذي يحتل فيه الفرد موقعه. وتظهر العدالة المجالية هنا باعتبارها وجها من وجوه الصراع الاجتماعي نفسه؛ فتركيز الاستثمار والخدمات وفرص العمل والبنيات التحتية الأساسية في مجالات بعينها، مقابل استمرار الهشاشة في مجالات أخرى، يعيد إنتاج التفاوت على الخريطة.
ويصبح المجال بذلك جزءا من بنية التفاوت الطبقي، لأن شروط المواطنة وفرص التعليم والصحة والعمل والحياة الكريمة وحرية التعبير تتحدد أيضا بالموقع الذي يشغله الفرد داخل الخريطة الاجتماعية والمجالية للدولة.
وعندما تنتقل هذه التفاوتات من شروط معيشية موزعة على الأفراد والمجالات إلى مطالب جماعية، تدخل التناقضات الاجتماعية المجال العام وتبحث عن أدوات للتعبير والتنظيم والتأثير.
الحركات الاجتماعية تتخذ موقعها داخل السؤال الديمقراطي
ومن هنا تتخذ الحركات الاجتماعية موقعها داخل السؤال الديمقراطي. فهي المجال الذي تظهر فيه التناقضات قبل أن تتحول إلى برامج انتخابية، حيث تنتظم الفئات الاجتماعية حول مطالبها وقضاياها، وتتحول الحاجة الفردية إلى مطالبة جماعية، والمصلحة الاجتماعية إلى فعل سياسي.
ومن داخل هذا الانتقال من المطالبة الاجتماعية إلى الفعل السياسي تتحدد دلالة الاصطفاف السياسي؛ إذ يصبح السؤال متعلقا بالقوى القادرة على حمل هذه المطالب إلى مجال الصراع حول الدولة والقرار والاختيارات العامة.
وفي هذا السياق يكتسب تحالف اليسار دلالته. فحضوره في قلب المعارك الاجتماعية، واصطفافه إلى جانب الفئات التي تخوضها، وانخراطه في قضايا الشغل والتعليم والصحة والحقوق والحريات والعدالة الاجتماعية والعدالة المجالية، يمنحه صلة مباشرة بأسئلة المجتمع وحاجاته وتناقضاته. هذا الاصطفاف يسبق الحملة الانتخابية؛ لأنه يتأسس في لحظات يكون فيها المطلوب موقفا سياسيا وتحمل كلفة الانحياز، قبل أن يصبح الصوت الانتخابي موضع طلب.
المعركة الاجتماعية تنتج السؤال والفعل السياسي يمنحه إمكانية التحول إلى قرار واتجاه
ويستمر هذا الحضور داخل المؤسسات، رغم تضييق المجال السياسي، واختلال موازين القوة، وتشابك الاعتبارات التي تجعل شروط الفعل والتمثيل أكثر صعوبة. ومع ذلك، يحافظ تحالف اليسار على موقعه داخل المجال المؤسساتي، حاملا إليه قضايا الفئات الاجتماعية ومطالبها، ومحاولا إبقاء الصراع حول الاختيارات العامة متصلا بالتناقضات التي يعيشها المجتمع.
وهنا تتضح قيمة التلازم بين الشارع والمؤسسة: المعركة الاجتماعية تنتج السؤال، والفعل السياسي يمنحه إمكانية التحول إلى قرار واتجاه. وبينهما تتحرك السياسة باعتبارها صراعا حول من يملك القدرة على التأثير في الدولة وتحديد أولوياتها.
فالانتخابات، بهذا المعنى، تأتي باعتبارها لحظة من لحظات هذا الصراع؛ لحظة تنتقل فيها المواقف والانحيازات والتصورات المتعارضة حول المجتمع والدولة إلى مجال الاختيار السياسي. ومن ثم يصبح الصوت الانتخابي امتدادا لمسار سياسي واجتماعي سابق عليه.
لهذا، فإن اختيار تحالف اليسار يتصل بمشروع يربط الديمقراطية بالعدالة الاجتماعية، والعدالة الاجتماعية بالعدالة المجالية، والحرية بالمساواة، ويضع الصراع حول الثروة والسلطة وشروط المواطنة في صلب الفعل السياسي.
ويبقى سؤال الخبز والكرامة في قلب هذا كله. فالخبز قضية سياسية كما أن الكرامة قضية سياسية؛ ومن عجز عن حماية شروط عيش الناس، ترك حاجتهم عرضة للمساومة. لذلك، مع شراء الأصوات بلقمة العيش، يصبح المطلوب تغيير السياسة التي جعلت الحاجة قابلة للبيع، لا إدانة الفقير الذي دفعته إليها.
الديمقراطية التي تستحق اسمها هي التي تجعل المواطن صاحب إرادة سياسية مستقلة
فالسياسة التي تصون كرامة الناس تبدأ من قدرتها على صون شروط عيشهم، والديمقراطية التي تستحق اسمها هي التي تجعل المواطن صاحب إرادة سياسية مستقلة، لا موضوعا للمساومة الانتخابية.
إن الكرامة التي لا تجد في السياسة شروط صيانتها، تظل كرامة مهددة بالحاجة؛ وإن الديمقراطية التي لا تمنح الناس قدرة فعلية على تقرير شروط حياتهم، تظل ديمقراطية ناقصة في جوهرها.
ولهذا، مع حلول موعد الاختيار، يكون الاختيار السليم في ظل كل ما عشناه في السياسة وما نعيشه هو تحالف اليسار.





