
اختار فوزي لقجع، القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة، الرد على تصريحات رشيد الطالبي العلمي، القيادي في حزب التجمع الوطني للأحرار، دون أن يسميه بالاسم، لكنه استعاد العبارة الأكثر إثارة في كلامه، أي “الترهيب”، ليعيد توجيهها نحو ما اعتبره ترهيبا اجتماعيا عاشته الأسر المغربية بسبب غلاء الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
لقجع: المغرب لا ينبغي أن يترك مواطنيه يشترون اللحم بـ150 أو 160 درهما
وفي أول ظهور له بعد تداول التسجيل الصوتي المنسوب إلى الطالبي العلمي، قال لقجع، خلال لقاء تواصلي حزبي بالفقيه بن صالح، إن “الإرهابيين الحقيقيين هم من حولوا فرحة عيد الأضحى إلى حالة انشغال وقلق لدى مجموعة من الأسر المغربية”، قبل أن ينتقل إلى الحديث عن أسعار اللحوم، قائلاً إن المغرب لا ينبغي أن يترك مواطنيه يشترون اللحم بـ150 أو 160 درهماً.
بهذا الرد، حاول لقجع نقل المواجهة من اتهامات الاستقطاب الحزبي والوعود بالمناصب إلى ما يعتبره قضايا حقيقية تهم المغاربة، خصوصا القدرة الشرائية والشباب والفوارق المجالية.
كما حرص على التأكيد أن حزب الأصالة والمعاصرة “بعيد كل البعد عن ثقافة توزيع الغنائم دون استحقاقها”، وأن التنافس السياسي ينبغي أن يكون حول خدمة المواطنين وليس حول اقتسام المناصب والحقائب.
ويبدو أن الرسالة التي أراد لقجع إيصالها: بدل الانشغال بمن استقطب من، ومن سيحصل على أي حقيبة وزارية، ينبغي الانشغال بمن يدفع ثمن الغلاء ومن يعاني من تراجع قدرته على مواجهة تكاليف الحياة.
لكن المفارقة تبدأ تحديداً من هنا.
فبينما يرد لقجع على الطالبي العلمي باسم القدرة الشرائية، يبدو أنه نسي أو تناسى أن جزءا من هذه الحصيلة التي ينتقدها اليوم كان يُصنع داخل الحكومة التي كان هو نفسه عضوا بارزا فيها.
فهو لم يكن خارج دائرة القرار حتى يقدم نفسه باعتباره مراقبا لحصيلة الآخرين، بل كان أحد الوجوه الأساسية في حكومة عزيز أخنوش، وتحمل مسؤوليات وشارك في تدبير ملفات اقتصادية ومالية خلال الولاية نفسها.
وهنا يصبح خطاب لقجع بحاجة إلى أكثر من مجرد تسجيل نقاط في السجال الانتخابي مع “الأحرار”. فإذا كانت القدرة الشرائية اليوم في مقدمة أولويات “البام”، فمن حق المغاربة أن يسألوا: أين كانت هذه الأولوية عندما كان لقجع والبام داخل الحكومة؟
والسؤال يصبح أكثر إلحاحا عند استحضار عدد من الإجراءات والقرارات التي أثارت انتقادات واسعة بسبب انعكاساتها على الأسر والمهنيين، ومنها طريقة تدبير ملف القطيع وأسعار اللحوم وما ارتبط به من إجراءات، فضلا عن الدعم الموجه إلى “الفراشية” وما أثاره من جدل حول مدى نجاعته ومن استفاد منه فعليا.
الذاكرة السياسية تقتضي تذكير لقجع بأنه كان حاضرا عندما كانت هذه الملفات مطروحة
فإذا كان لقجع يعتبر اليوم أن من غير المقبول أن يشتري المغربي اللحم بـ150 أو 160 درهماً، فإن الذاكرة السياسية تقتضي تذكيره بأنه كان حاضرا عندما كانت هذه الملفات مطروحة على طاولة الحكومة، وأن موقعه آنذاك كان يفرض عليه أكثر من الاكتفاء بالصمت أو الاكتفاء بالتدبير التقني للملفات التي تدخل ضمن اختصاصاته.
وهنا تنقلب المعادلة: لقجع يرد على الطالبي العلمي، لكنه يجد نفسه ومعه حزبه الذي التحق به مؤخرا، من حيث لا يريد، أمام أسئلة عن المرحلة التي كان فيهما معا جزءا من الحكومة التي ينتقد بعض نتائجها اليوم.
أما حديثه عن “الغنائم” وعدم توزيع المناصب، فيضيف بعدا آخر إلى السجال. فالمغاربة لا ينتظرون فقط معرفة من سيحصل على وزارة المالية أو من سيقود الحكومة المقبلة، وإنما يريدون معرفة من سيملك القدرة على تحسين شروط عيشهم.
غير أن تقديم هذا الخطاب قبيل الانتخابات يظل ناقصا ما لم يصاحبه قدر من النقد الذاتي والمساءلة عن المسؤولية في المرحلة السابقة.
ومن هذه الزاوية، فإن معركة لقجع مع الطالبي العلمي لا تبدو مجرد سجال بين حزبين يتنافسان على صدارة الانتخابات المقبلة، بل هي أيضاً معركة حول من يملك حق تقديم نفسه باعتباره بديلاً عن المرحلة السابقة، رغم أن جزءاً من قياداته كان شريكاً فيها.
ماذا فعلتَ عندما كنتَ في موقع القرار؟
الطالبي العلمي يتحدث عن “الترهيب والترغيب” في استقطاب السياسيين، ولقجع يرد بالحديث عن “الإرهابيين الحقيقيين” الذين جعلوا عيد الأضحى مصدر قلق للأسر. وبين العبارتين، يتوارى السؤال الأهم: لقجع يرد على الطالبي العلمي، لكنه يجد نفسه ومعه حزبه من دون أن يحاسب نفسه أولاً؟
فالانتخابات ليست فقط مناسبة لتبادل الاتهامات، ولا سوقا لتبادل المرشحين والمناصب. إنها أيضا لحظة لتدقيق الحسابات. وحين يتحدث المسؤول السابق أو الحالي عن الغلاء والقدرة الشرائية، فإن الناخب من حقه أن يسأله ببساطة: ماذا فعلتَ عندما كنتَ في موقع القرار؟





