الرئسيةسياسة

موسم الترحال الانتخابي عبو يغير القميص

لم يعد يفصل المغرب عن الانتخابات التشريعية سوى أسابيع قليلة، لكن المشهد الانتخابي يبدو وكأنه دخل منذ الآن في شوط مختلف تماما عن ذلك الذي يفترض أن تفرضه الاستحقاقات الديمقراطية.

لترحال السياسي واستقطاب الأسماء وتبديل الألوان

فبدل أن تتصدر البرامج الانتخابية واجهة النقاش، وتتنافس الأحزاب حول حصيلتها وما تقترحه للمستقبل، تتقدم إلى الواجهة حركة أخرى: الترحال السياسي، واستقطاب الأسماء، وتبديل الألوان، وإعادة توزيع المرشحين على الدوائر.

إنه موسم انتخابي يبدو فيه الصراع على «من سيترشح وأين؟» أكثر حضوراً من السؤال حول «ماذا سيقترح؟».

وفي هذا «الميركاتو» السياسي، لا يبدو أن هناك خطوطاًحمراء كثيرة، فالوجه الانتخابي قد ينتقل من حزب إلى آخر، والمنتخب يمكن أن يجد نفسه عشية الاقتراع في موقع سياسي جديد، فيما تتحول بعض الدوائر إلى ساحات مفتوحة لإعادة تركيب التحالفات المحلية وتغيير موازين القوى.

أما البرامج، فتبدو كأنها تنتظر دورها في آخر الصف

واللافت أكثر أن مكونات الأغلبية الحكومية نفسها تدخل السباق الانتخابي وهي مطالبة قبل أي شيء بتقديم كشف حساب عن سنوات من التدبير. غير أن سؤال الحصيلة لا يبدو حاضراً بالقدر نفسه الذي يحضر فيه سؤال المرشحين والمقاعد والحسابات الانتخابية.

من حق الناخب أن يسأل: ماذا تحقق؟ وماذا لم يتحقق؟ ولماذا؟ وماذا ستفعل الأحزاب إذا عادت إلى تدبير الشأن العام؟

لكن هذه الأسئلة الكبيرة تجد نفسها محاصرة بضجيج معارك صغيرة، عنوانها الأبرز هو الانتقال من حزب إلى آخر، واستقطاب هذا الاسم أو ذاك، ورفع منسوب التنافس داخل الدوائر الانتخابية.

ولعل آخر فصول هذا المشهد جاء من جهة فاس-مكناس، حيث أعلن محمد عبو، الوزير السابق والقيادي السابق بحزب التجمع الوطني للأحرار، التحاقه رسمياً بحزب الأصالة والمعاصرة.

وجاء الإعلان خلال لقاء احتضنه منزل عبو بمدينة فاس، اليوم الأربعاء 2 شتنبر، بحضور فوزي لقجع، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، إلى جانب عدد من القيادات الحزبية.

انتُخب عبو نائبا برلمانيا عن الإقليم منذ سنة 1997

انتقال عبو لا يتعلق باسم عابر في الخريطة الانتخابية، بل بشخصية راكمت حضورا برلمانيا وحكوميا ومحليا على مدى عقود، وكان إقليم تاونات إحدى أبرز ساحات حضوره السياسي.

فقد انتُخب عبو نائبا برلمانيا عن الإقليم منذ سنة 1997، وترأس الفريق البرلماني لحزب التجمع الوطني للأحرار بمجلس النواب خلال الولاية التشريعية 2002-2007، كما شغل منصب نائب رئيس المجلس، وكان عضواً سابقاً في المكتب السياسي للحزب.

أما حكومياً، فقد تقلد سنة 2007 منصب وزير منتدب لدى الوزير الأول مكلف بتحديث القطاعات العامة في حكومة عباس الفاسي، قبل أن يعود إلى الحكومة سنة 2013 وزيراً منتدباً لدى وزير الصناعة والتجارة والاستثمار والاقتصاد الرقمي مكلفاً بالتجارة الخارجية، ضمن حكومة عبد الإله بن كيران.

ارتبط اسمه لسنوات بتدبير الشأن الجماعي بإقليم تاونات

وعلى المستوى المحلي، ارتبط اسمه لسنوات بتدبير الشأن الجماعي بإقليم تاونات، من خلال رئاسته لجماعة بني وليد، فضلاً عن مساره الأكاديمي أستاذاً جامعياً بكلية العلوم والتقنيات بفاس.

غير أن انتقال عبو لا يمكن عزله عن سلسلة من التحولات التي تعرفها المنطقة قبل أسابيع من موعد الاقتراع.

فخلال شهر غشت الماضي، التحق النائبان البرلمانيان نور الدين قشيبل، عن دائرة القرية-غفساي، وبوشتى بوصوف، عن دائرة تاونات-تيسة، بحزب الأصالة والمعاصرة، في خطوات تعكس حجم الحركية التي تشهدها الخريطة الحزبية بالإقليم.

وهكذا، تتحول تاونات وفاس-مكناس، شأنهما شأن عدد من المناطق الأخرى، إلى مختبر صغير لموسم انتخابي أكبر عنوان له حتى الآن هو إعادة ترتيب الاصطفافات.

هل يتغير الحزب لأن البرنامج تغير أم يتغير الحزب لأن الحسابات الانتخابية تغيرت؟

لكن السؤال الذي سيظل مطروحاً، رغم كل هذه الحركة، هو: هل يتغير الحزب لأن البرنامج تغير، أم يتغير الحزب لأن الحسابات الانتخابية تغيرت؟

ذلك أن الديمقراطية لا تختبر فقط بعدد المرشحين والأسماء الثقيلة التي تنجح الأحزاب في استقطابها، وإنما بقدرتها على تقديم اختيارات واضحة للناخبين، وبمدى استعدادها لتحمل مسؤولية ما أنجزته وما أخفقت في إنجازه.

والانتخابات المقبلة ليست مجرد سباق على المقاعد. إنها أيضاً لحظة يفترض أن تقدم فيها الحكومة وأحزاب الأغلبية حصيلتها، وأن تقدم المعارضة بدائلها، وأن يقرر الناخب على أساس الاختيارات لا على أساس الولاءات الشخصية أو قوة المرشح أو لون الحزب.

لكن المشهد، إلى حدود الآن، يوحي بأن «الميركاتو» أسرع من البرامج، وأن صراع الأسماء أعلى صوتاً من صراع الأفكار، وأن سؤال الحصيلة لا يزال يطارد التحالف الحكومي أكثر مما يطارده خطاب انتخابي واضح.

وربما هنا تكمن المفارقة الأكبر في هذه الانتخابات:

الجميع يستعد للفوز، لكن القليل يتحدث عن ماذا سيفعل بعد الفوز.

إنها انتخابات بنكهة مغربية خالصة؛ انتخابات يتحرك فيها السياسيون بكثافة، وتتبدل فيها المواقع بسرعة، وتُعاد فيها هندسة الدوائر والتحالفات، بينما ينتظر المواطن، مرة أخرى، أن يعرف ماذا سيكسب هو من كل هذا السباق.

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم هو: من انتقل إلى أين؟

بل: من سيقدم ماذا؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى