
لا تخفي فاطمة الزهراء المنصوري أن اسمها يوجد ضمن دائرة النقاش حول المرحلة السياسية المقبلة، لكنها لا تتعامل مع رئاسة الحكومة باعتبارها طموحا شخصيا يمكن حسمه داخل دهاليز الأحزاب.
المنصوري تريد أن ترسم لنفسها موقعا في مرحلة سياسية تبدو مفتوحة أو الأصح غامضة مقصودة
فالقيادية في الأصالة والمعاصرة اختارت أن تحيل المسألة إلى صناديق الاقتراع أولا، وإلى الاختصاصات الدستورية للملك محمد السادس ثانيا، وفق ما صرحت به.
غير أن الطريق إلى رئاسة الحكومة، بالنسبة إلى المنصوري، لا يمر فقط عبر الانتخابات والحسابات الحزبية. فصورتها السياسية ظلت، خلال الفترة الأخيرة، محاطة بنقاش آخر يتعلق بالحكامة وتضارب المصالح، خصوصا على خلفية الجدل الذي أثير حول مشروع عقاري بمنطقة تسلطانت بضواحي مراكش، وما رافقه من أسئلة حول الملكية والمسار التعميري وتداخل المسؤولية السياسية مع المصالح العائلية.
وبين طموح سياسي محتمل، وصندوق انتخابي لم يقل كلمته بعد، وملفات أثارت نقاشا حول الحكامة، تحاول المنصوري أن ترسم لنفسها موقعا في مرحلة سياسية تبدو مفتوحة على أكثر من احتمال.
رئاسة الحكومة.. ليست بقرار حزبي
خلال لقاء مع مؤسسة الفقيه التطواني بسلا، حرصت المنصوري على وضع الحديث عن رئاسة الحكومة داخل الإطار الدستوري، مؤكدة أن أي حديث عن هذا المنصب يبقى مرتبطاً بنتائج الانتخابات والقواعد الديمقراطية المعمول بها.
فالناخب المغربي، وفق هذا التصور، هو من يحدد موازين القوى من خلال صناديق الاقتراع، بينما يعود للملك، وفق الدستور، اختصاص تعيين رئيس الحكومة.
رسالة المنصوري تبدو واضحة: لا أحد يستطيع أن يحجز لنفسه مسبقاً مقعد رئيس الحكومة، مهما كان موقعه داخل حزبه أو حجم طموحه السياسي.
لكن الإحالة على الصندوق تفتح في المقابل سؤالاً آخر: هل تكفي الانتخابات وحدها لصناعة الثقة؟
من «تسلطانت» يبدأ سؤال الحكامة
ذلك أن النقاش حول مستقبل المنصوري السياسي لا ينفصل عن الجدل الذي رافق بعض الملفات المرتبطة باسمها.
ويأتي ملف تسلطانت في مقدمة هذه الملفات، بعدما أثار مشروع عقاري مرتبط بملكية عائلية نقاشاً حول المسار التعميري للأرض، وما إذا كانت هناك شبهة تضارب للمصالح بحكم موقع المنصوري السياسي ومسؤولياتها السابقة والحالية.
المنصوري ومقربون منها قدموا رواية تنفي وجود أي استفادة غير قانونية أو تضارب للمصالح، مؤكدين أن الملكية تعود إلى العائلة منذ سنوات طويلة، وأن المساطر المتعلقة بالتعمير تمت وفق القواعد القانونية المعمول بها.
وبالتالي، فإن القضية ظلت في إطار سجال سياسي وإعلامي، لا حكماً نهائياً يدين المنصوري.
لكن سياسياً، لا تنتهي القصة بمجرد النفي. فحين يتحدث المسؤول السياسي عن الحكامة واستعادة ثقة المواطنين، تصبح الأسئلة المرتبطة بتدبير المصالح وتضاربها جزءاً من النقاش العام، حتى عندما يكون صاحبها قد نفى الاتهامات الموجهة إليه.
المنصوري تريد «تصحيح» السياسة
وفي مواجهة أزمة الثقة التي تعاني منها الأحزاب، دافعت المنصوري عن ضرورة إجراء «تصحيح عميق ومسؤول للعمل السياسي».
لكنها شددت في الوقت نفسه على أن تصحيح السياسة لا يعني إلغاء الأحزاب أو تبخيس دورها أو تحويل الفاعل السياسي إلى متهم دائم.
فالمطلوب، حسب تصورها، هو أحزاب أكثر قوة، وأكثر قدرة على إنتاج الأفكار، وأكثر التزاما بالحكامة، بما يسمح بإعادة بناء العلاقة مع المواطن.
وهنا تبدو المفارقة واضحة: الحاجة إلى استعادة الثقة تمر أولاً عبر الأحزاب، لكنها تمر أيضاً عبر سلوك قياداتها ومسؤوليها.
«لا نحتاج إلى العدمية»
المنصوري لا ترى في أزمة السياسة المغربية سبباً للتخلي عن المشاركة أو الاستسلام لمنطق العدمية.
بل تعتبر أن الديمقراطية المغربية تحتاج إلى أحزاب قوية، وفكر سياسي متجدد، ومبادرات قادرة على منح المواطنين الأمل بدل تكريس الإحباط.
وهو خطاب يستهدف، في جانب منه، استعادة الناخب الذي ابتعد عن الأحزاب أو فقد ثقته في قدرتها على تقديم بدائل حقيقية.
لكن التحدي هنا لا يتعلق بالخطاب وحده. فالمواطن الذي يسمع حديثاً عن الحكامة والإصلاح يريد أيضاً أن يرى هذه المبادئ مطبقة في تدبير المسؤوليات وفي التعامل مع الملفات المثيرة للجدل.
الشباب والنساء.. ورقة المنصوري
في حديثها عن تجديد النخب، استحضرت المنصوري تجربتها الشخصية، مذكّرة بأنها تولت رئاسة جماعة مراكش وهي في سن الثالثة والثلاثين.
وترى أن تجربة الأصالة والمعاصرة مع الشباب والنساء تؤكد، حسب طرحها، أن حضور المرأة داخل الحزب لم يكن مجرد ديكور انتخابي أو «واجهة»، وإنما شمل مواقع فعلية في المسؤولية والقرار.
وأشارت إلى تجارب نساء شابات تولين رئاسة جماعات قروية، في محاولة لتأكيد أن تمكين المرأة ينبغي أن يقاس بموقعها داخل المؤسسات وليس بمجرد حضورها في الصور واللوائح الانتخابية.
مرحلة سياسية لا تشبه سابقاتها
وتربط المنصوري المرحلة المقبلة بتحولات جيوسياسية واقتصادية عميقة، سواء داخل المنطقة أو على المستوى الدولي.
وترى أن هذه التحولات تفرض على الفاعلين السياسيين تجاوز الحسابات الصغيرة، ورفع مستوى النقاش، والاستعداد لاستحقاقات انتخابية سيكون لها وزن كبير في تحديد ملامح المرحلة المقبلة.
وإذا كانت هذه القراءة تضع الأحزاب أمام مسؤوليات جديدة، فإنها تضع أيضاً القيادات السياسية أمام امتحان مضاعف: إقناع المواطن بالبرنامج، وإقناعه قبل ذلك بصاحب البرنامج.
بين الطموح والصندوق.. امتحان المنصوري
اسم المنصوري سيبقى، على الأرجح، حاضراً في النقاش حول مستقبل القيادة الحكومية المقبلة، خصوصاً بالنظر إلى موقعها داخل الأصالة والمعاصرة وتجربتها الحكومية والحزبية والمحلية.
لكنها نفسها اختارت أن تقول إن الطريق إلى رئاسة الحكومة لا يمر عبر إعلان الطموح، وإنما عبر صناديق الاقتراع والمؤسسات الدستورية.
وفي المقابل، فإن ملفات من قبيل تسلطانت ستظل جزءاً من الذاكرة السياسية للنقاش حولها، ليس بالضرورة باعتبارها إدانة، وإنما باعتبارها نموذجاً للأسئلة التي تطرحها علاقة المسؤول السياسي بالملكيات والمصالح الخاصة، وحدود تضارب المصالح، وكيفية بناء الثقة في زمن أصبحت فيه كل التفاصيل قابلة للتدقيق والمساءلة.
الصندوق يحسم.. لكن الأسئلة تبقى
في نهاية المطاف، لا تستطيع المنصوري، كما لا يستطيع أي سياسي آخر، أن يقرر منفرداً من سيكون رئيس الحكومة المقبلة.
الناخبون سيقولون كلمتهم، والنتائج ستحدد موازين القوى، والاختصاصات الدستورية ستفعل فعلها.
لكن المعركة السياسية لا تبدأ يوم الاقتراع ولا تنتهي بإعلان النتائج. إنها تبدأ قبل ذلك بكثير، من قدرة السياسي على إقناع المواطن بأن خطاب الإصلاح والحكامة وتجديد السياسة ليس مجرد شعارات انتخابية.
وهنا تحديداً يوجد التحدي الأكبر أمام المنصوري: فإذا كان الصندوق هو الذي يفتح باب الحكومة، فإن الثقة هي التي تقود إليه.
وبين خطابها عن الديمقراطية والحكامة، وطموحها السياسي المحتمل، والجدل الذي أثاره ملف تسلطانت، ستظل المنصوري مطالبة بتقديم إجابة مقنعة عن سؤال بسيط لكنه ثقيل: هل تستطيع أن تقنع المغاربة بأن مرحلة جديدة من السياسة تبدأ فعلا من حيث تنتهي كل الأسئلة؟





