
بنصر يكتب: الانتخابات بين التغيير والتدبير
بقلم: عبدالرحيم بنصر
أعتقد أنه أصبح من الضروري، في ظل الغموض والالتباس المهيمنين على النقاش السياسي، أن نضع النقاش الانتخابي في إطار توجهين أساسيين متناقضين، أو لِنَقُلْ: طريقين لا ثالث لهما.
السياسة ليست مجرد تناوب على تدبير السلطة
ذلك أن السياسة، في نهاية المطاف، ليست مجرد تناوب على تدبير السلطة، ولا مجرد منافسة انتخابية بين برامج متشابهة أو متقاربة؛ إنها، في جوهرها، جدلية صراعية بين توجهات ومصالح واختيارات متناقضة، تتجسد، في نهاية المطاف، في طريقين أساسيين، حيثما يتشكل كلٌّ منهما.
من جهة، هناك التوجه المهيمن، والمهيمن اليوم، للأسف، بشكل كاسح: وهو التوجه الذي يرى أن السادة الحقيقيين هم، حتمًا، سادة الاقتصاد؛ أي مالكو وسائل الإنتاج، وأصحاب المصالح الرأسمالية الكبرى، والمضاربين، وغيرهم من المتحكمين في المجالات المالية والتجارية والعقارية وغيرها.
ويترتب على هذا التوجه أن يصبح التناوب السياسي محدود الأهمية، بل يكاد يفقد معناه الفعلي.
تحرك داخل نظام اقتصادي ليبرالي تابع
ففي نهاية المطاف، فإن مختلف الفاعلين السياسيين الذين يتم اختيارهم، أكانوا من اليمين أم من اليسار، سيجدون أنفسهم، إلى حد كبير، أمام الحدود والضرورات نفسها، وقد ينتهون إلى فعل الشيء نفسه تقريبًا؛ لأنهم يتحركون داخل نظام اقتصادي ليبرالي تابع، تحكمه، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مصالح الرأسمال المحلي المرتبط بالرأسمال الأجنبي.
ومن البسيط، والصحيح، أن نطلق على هذا الطريق اسم الطريق الرأسمالي التابع. فهذا هو اسمه، في جوهره، منذ عقود.
ثم هناك، وإن كان ضعيفًا اليوم، أو يكاد لا يكون موجودًا، طريق آخر؛ طريق كان موجودًا في الماضي بقوة أكبر، وما زال، رغم تراجعه، يمثل إمكانية تاريخية وسياسية مختلفة. وهو الطريق الذي يؤكد أن على الجماعة الوطنية أن تتحكم في قراراتها، وأن تستعيد سيادتها على شروط وجودها ووسائل إعادة إنتاجها، وأن تمتلك، على وجه الخصوص، القدرة الفعلية على التحكم في مجمل وسائلها الاقتصادية والإنتاجية والمالية.
التحكم في المصير بدل أن يكون المصير مرهونًا بإرادات ومصالح خارجية
إن الأمر يتعلق هنا بطريق يقوم على التنمية الوطنية المستقلة، والمعتمدة أساسًا على الذات، وعلى امتلاك المجتمع لقراره الاقتصادي والسياسي، والتحكم في مصيره بدل أن يكون مصيره مرهونًا بإرادات ومصالح خارجية.
وهذا هو الطريق الذي يمكن أن نطلق عليه اسم الطريق التنموي الوطني الديمقراطي، المعتمد أساسًا على الذات، والمتحكم في قراراته وفي مصيره.
إن وجود هذين الطريقين المتناقضين — الطريق الرأسمالي التابع والطريق الوطني الديمقراطي — هو، في تقديري، المبدأ الأساسي الذي يعطي للنقاش السياسي معناه الفعلي.
السؤال الأعمق: أي طريق نريد أن نسلك؟
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي في الانتخابات لا ينبغي أن يقتصر على: من سيحصل على الأغلبية؟ ومن سيشكل الحكومة؟ ومن سيحل محل من في تدبير السلطة؟ السؤال الأعمق هو: أي طريق نريد أن نسلك؟ وأي مصالح اجتماعية واقتصادية وسياسية ستحدد اتجاه هذا الطريق؟ ومن يمتلك فعليًا القرار في الاقتصاد والمجتمع والدولة؟
فإذا لم يجرِ نقاش التحليلات والاختيارات الاقتصادية والاجتماعية والمشاريع السياسية، أثناء الحملة الانتخابية، في إطار صراع واضح بين هذين الطريقين، فإن النقاش الانتخابي يتحول حتمًا إلى نقاش إداري محض، وإلى منافسة حول كيفية تدبير الواقع القائم، بدل أن يكون نقاشًا حول تغييره.
وعندها، ينتهي الأمر، في نهاية المطاف، إلى نقاش لا سياسي؛ لأن السياسة تبدأ، في معناها الحقيقي، عندما يصبح السؤال متعلقًا ليس فقط بمن يدير السلطة، وإنما بأي مشروع، ولأي مصالح، وبأي اتجاه، وعلى أي أساس اجتماعي واقتصادي وسيادي تُمارس هذه السلطة






