
في المغرب، يبدو أن كرة القدم لم تعد تكتفي بصناعة الأبطال في الملاعب. لقد بدأت تقترب من صناعة السياسيين أيضا.
فوزي لقجع، الذي دخل إلى وجدان المغاربة من بوابة المنتخب الوطني، وجد نفسه اليوم في قلب واحدة من أكثر الفرضيات السياسية إثارة للجدل: هل يمكن أن تنتقل شعبية الرجل من المدرجات إلى صناديق الاقتراع، ومن الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم إلى حزب الأصالة والمعاصرة، ثم من الحزب إلى رئاسة الحكومة؟
لا شيء في الدستور يجعل هذا المسار مستحيلا، ولا شيء في المقابل يجعله محسوما. الفصل 47 يربط تعيين رئيس الحكومة بنتائج انتخابات مجلس النواب، ما يعني أن أي حديث عن لقجع رئيسا للحكومة يبقى رهينا بنتيجة الاقتراع وبالتوازنات التي ستفرزها الأغلبية المقبلة.
لكن المشكلة ليست في السؤال: هل يستطيع لقجع أن يصبح رئيسا للحكومة؟
السؤال الأكثر إزعاجاً هو: هل بدأت كرة القدم تتحول إلى رأسمال سياسي يُستثمر انتخابيا؟
من الملعب إلى الحزب.. ومن الحزب إلى الحكومة؟
لم يكن انضمام لقجع إلى حزب الأصالة والمعاصرة مجرد خبر حزبي عادي.
الرجل لم يأتِ إلى السياسة من مسار حزبي طويل، ولا من تراكم تنظيمي داخل شبيبة أو فروع أو أجهزة حزبية. جاء محملا برصيد آخر: كرة القدم، المنتخب، الإنجازات، الإدارة، المالية، والمونديال.
وهذا بالضبط ما يجعل حالته مختلفة.
فحتى التحليلات التي تنظر بإيجابية إلى تجربته تقر بأن لقجع يجمع في شخص واحد بين رأسمال تقنوقراطي، وتجربة إدارية، وحضور رياضي وشعبية جماهيرية، ثم أضاف إليها أخيرا الرأسمال الحزبي.
لكن هنا تكمن المفارقة:
إذا كانت الأحزاب مطالبة بإنتاج النخب، فما الذي يعنيه أن تصبح الشعبية التي صُنعت خارج السياسة أقصر طريق إلى واجهة السياسة؟
هذا السؤال لا يستهدف لقجع وحده، بل يضع وظيفة الأحزاب المغربية نفسها تحت المجهر.
لقجع لم يصنعه الحزب.. كرة القدم هي التي صنعته
هناك شيء لا يمكن تجاهله: الرصيد الشعبي الذي يحمله لقجع لم يصنعه حزب الأصالة والمعاصرة،صنعته كرة القدم، صنعته صورة المنتخب المغربي، صنعته ليلة قطر، وملحمة الأسود، ثم الإنجازات اللاحقة، والأوراش المرتبطة بتطوير كرة القدم المغربية.
ولهذا فإن دخول الرجل إلى السياسة يحمل معه قوة انتخابية محتملة لا تأتي من الخطاب الحزبي، وإنما من ذاكرة جماهيرية تشكلت في فضاء مختلف تماما.
وهنا بالضبط يظهر ما سماه باحثون ومحللون “تَشَخْصُن” السياسة؛ إذ أشار مصطفى أضرار إلى أن النقاش حول لقجع صار في بعض الأحيان أكثر حضورا من النقاش حول برنامج الحزب نفسه، بل إن السخرية التي راجت على مواقع التواصل ذهبت إلى القول إن لقجع هو الذي استقطب “البام” أكثر مما استقطبه الحزب.
وهذه ليست ملاحظة هامشية.
لأن الانتخابات يفترض أن تجعل الأحزاب وبرامجها في المقدمة، لا أن تجعل الشخصيات وحدها مركز اللعبة.
عندما تصبح إنجازات المنتخب بطاقة انتخابية
هنا يجب أن نكون أكثر حذرا، ليس هناك ما يثبت أن كل شعبية رياضية تتحول تلقائيا إلى أصوات انتخابية.
لكن هناك شيئا آخر واضحا: صورة لقجع لدى قطاعات من الرأي العام ارتبطت بقوة بالمنتخب ونجاحاته، بينما تظل مسؤوليته الحكومية في المالية أقل حضورا في الوعي الجماهيري، بل إنها تحمل معها معاناة وتفقير لا سابق له.
وهذا ما أشارت إليه تحليلات صحفية، من بينها تحليل “لوموند”، الذي لفت إلى أن المغاربة يميلون إلى تقييم لقجع من خلال نتائج المنتخب أكثر من تقييمهم لأداء المالية العمومية التي يشرف عليها.
وهنا يبرز السؤال الذي يجب أن تطرحه الانتخابات:
هل سيصوت المواطن للقجع السياسي، أم للقجع الذي يعرفه من كرة القدم؟، الفرق بين الاثنين ليس بسيطاً.
ففي الملعب، يمكن أن تختصر النتيجة في هدف.
أما في الحكومة، فلا يوجد هدف واحد ينقذ ولاية كاملة.
السياسة ليست مونديالا
هذه ربما هي النقطة التي ينبغي ألا تضيع وسط الضجيج.
فوزي لقجع قد يكون ناجحا في إدارة كرة القدم، وقد راكم تجربة مهمة في المالية والإدارة، وهذه وقائع يمكن مناقشتها وتقييمها، لكن إدارة الدولة ليست مباراة كرة قدم، والمغرب ليس ملعبا كبيرا، ذلك أن الحكومة المقبلة لن تدير فقط مشاريع الملاعب.
ستدير البطالة، والأسعار، والصحة، والتعليم، والسكن، والماء، والضرائب، والدين العمومي، والفوارق بين الجهات، عدا انغلاق الحقل السياسي وتراع الحريات، وعمليا موت السياسة.
وستواجه جيلا شابا عبّر في الاحتجاجات الأخيرة عن غضب واضح من البطالة وضعف الفرص والخدمات، في وقت تشير تقارير حديثة إلى استمرار فجوات كبيرة بين النمو الاقتصادي وبين ما يشعر به كثير من المواطنين في حياتهم اليومية.
وهنا يصبح الاختبار السياسي الحقيقي مختلفا تماما عن الاختبار الرياضي.
“حكومة المونديال”.. التعبير الذي ينبغي أن يثير القلق
منذ دخول لقجع إلى “البام”، بدأ تعبير “حكومة المونديال” يتردد بقوة، والتعبير مفهوم من الناحية الزمنية: الحكومة التي ستتشكل بعد انتخابات 2026 ستكون الحكومة التي ستدير الجزء الأكبر من الطريق نحو مونديال 2030.
لكن هناك فرقا بين القول إن الحكومة المقبلة ستشرف على المونديال، وبين القول إنها حكومة المونديال، الأول حقيقة زمنية، أما الثاني فهو اختيار سياسي.
والخطر يبدأ عندما يصبح المونديال عدسة نرى من خلالها كل شيء.
عندها قد يصبح إنجاز الملعب أهم من المدرسة، والطريق أهم من المستشفى، والمطار أهم من القرية التي لا يصل إليها الماء، وصورة المغرب في الخارج أهم من سؤال المواطن عن قدرته على العيش داخله، وهنا لا تعود القضية قضية لقجع، تصبح قضية الدولة نفسها.
المونديال ليس شيكا على بياض
المغرب أمام فرصة تاريخية مع مونديال 2030، لكن الفرصة ليست شيكاً على بياض، والاستثمار في البنية التحتية ليس مشكلة في حد ذاته، بل السؤال هو: ما الذي سيبقى بعد صافرة النهاية؟ ماذا سيبقى من الملاعب؟ ماذا سيبقى من الطرق والسكك؟ ماذا سيبقى من الاستثمارات؟ كم وظيفة ستستمر بعد انتهاء الحدث؟ كيف ستستفيد المدن والمناطق التي لن تستضيف المباريات؟
وما الذي سيحدث للموارد العمومية إذا تحول الإنفاق المرتبط بالمونديال إلى أولوية تبتلع أولويات أخرى؟
هذه الأسئلة أهم من سؤال من سيقص شريط افتتاح الملعب.
لا تضعوا المغرب كله في سلة واحدة
وهنا ينبغي أن تكون الخلاصة أكثر وضوحاً: مونديال 2030 يمكن أن يكون رافعة، لكنه لا يمكن أن يكون أفقاً. ويمكن أن يكون فرصة، لكنه لا ينبغي أن يصبح سقفاً.
الدولة التي تضع كل بيضها في سلة المونديال تخاطر بتحويل حدث ينتهي في صيف 2030 إلى مشروع سياسي ينتهي معه.
المغرب يجب أن يبني لما بعد 2030، لا لغاية 2030.
فالمواطن لن يستيقظ في اليوم التالي لنهائي كأس العالم ليجد أن البطالة اختفت، والمدرسة العمومية أصلحت نفسها، والمستشفى أصبح جيداً، والأسعار تراجعت، والفوارق الاجتماعية انتهت، سيبقى المغرب، وسيظل المواطن، وستبقى الأسئلة نفسها، بل قد تصبح أكثر قسوة.
من “حكومة المونديال” إلى حكومة المغرب
لهذا فإن السؤال الحقيقي بشأن لقجع ليس إن كان يستطيع إدارة مونديال 2030.
السؤال هو إن كان المشروع السياسي المرتبط باسمه يستطيع أن يتجاوز المونديال نفسه.
لأن الحكومة المقبلة لا ينبغي أن تدخل التاريخ باعتبارها حكومة أنجزت ملاعب جميلة، بل باعتبارها حكومة جعلت من الاستثمارات الكبرى وسيلة لتحسين حياة الناس.
المونديال يجب أن يخدم التنمية، لا أن تصبح التنمية خادمة للمونديال، والرياضة يجب أن تكون رافعة للدولة، لا أن تصبح الدولة كلها رهينة لصورة رياضية.
والنجاح في تنظيم كأس العالم سيكون مهما بلا شك، لكن النجاح الأكبر سيكون في أن يستيقظ المغرب بعد 2030 وهو أكثر عدلا، وأقوى اقتصادا، وأفضل تعليما وصحة، وأكثر قدرة على توفير العمل والكرامة لمواطنيه.
وبين لقجع والانتخابات.. يبقى صندوق الاقتراع
قد يصبح لقجع رئيسا للحكومة، وقد لا يصبح، ذلك ليس قرارا تحسمه التكهنات ولا العناوين ولا الشعبية الرياضية.
الانتخابات هي التي تضع أول حجر في هذا المسار على الاقل نظريا، والدستور يربط تعيين رئيس الحكومة بنتائج مجلس النواب.
لكن حتى لو وصل الرجل إلى رئاسة الحكومة، فإن أصعب مباراة لن تكون في 2030، ستكون في اليوم التالي للانتخابات.
عندما تختفي المدرجات، وتتوقف الهتافات، ويعود المواطن إلى السؤال القديم نفسه:
ماذا فعلتم من أجل حياتنا؟
هناك فقط ستتضح قيمة الرأسمال الرياضي في السياسة.
وهناك أيضا سيتضح إن كان المونديال مجرد مشروع دولة كبير، أم تحول إلى مشروع سياسي كبير.
والفرق بين الاثنين هو الفرق بين بلد يستثمر في حدث عالمي، وبلد يضع مستقبله كله في سلة حدث عالمي.
المغرب يحتاج إلى أن يربح المونديال، نعم؛ لكنه يحتاج قبل ذلك وبعده إلى أن يربح رهانه على الإنسان.





