
«البام» يَعِد، والأرقام تسأل: من سيدفع؟
حين يكشف فوزي لقجع أن برنامج حزب الأصالة والمعاصرة يحتاج إلى “390 مليار درهم خلال خمس سنوات”، منها “314 ملياراً من الميزانية العامة”، فإن الرقم لا يكفي وحده لقياس حجم الوعد.. فالسؤال الأكثر إزعاجاً يبدأ بعده مباشرة: “ما الشروط التي يجب أن تتحقق حتى تصبح هذه المليارات قابلة للإنفاق فعلاً، من دون أن تتحول الدولة الاجتماعية إلى فاتورة مؤجلة؟”
314 ملياراً.. عندما تتحول الوعود إلى فاتورة
يبدو الحساب الذي قدمه لقجع مفصلاً: 57 مليار درهم للبرامج المجالية المندمجة، و108 مليارات للحماية الاجتماعية وإصلاح التقاعد، و93 ملياراً لدعم القدرة الشرائية، و30 ملياراً لإدماج الشباب، و26 ملياراً للبنيات التحتية.
وتتضمن الرؤية رفع بعض المساعدات من 500 إلى 1000 درهم، ورفع الحد الأدنى للمعاش إلى 3000 درهم، إلى جانب برامج للتكوين والمواكبة والمقاولة والصحة والتعليم، أما الـ76 مليار درهم المتبقية من الكلفة الإجمالية، فتُرتقب مساهمتها من الجماعات الترابية والجهات والمجالس الإقليمية.. هنا لا يعود السؤال: كم سيُخصص؟ بل كيف سيُضمن التمويل والاستمرارية؟
معادلة الـ5%.. الرقم الذي يحمل البرنامج كله
يربط لقجع تنفيذ التصور بتحقيق نمو في حدود 5% والحفاظ على عجز الميزانية عند 3%، وهذه ليست فرضية منفصلة تماماً عن الواقع الحالي؛ فالمندوبية السامية للتخطيط تتوقع نمواً بـ4.8% خلال 2026، بعد تسجيل نمو قوي خلال النصف الأول من السنة، لكنها تشير أيضاً إلى أن جزءاً مهماً من هذا الأداء يرتبط بالانتعاش الفلاحي، فيما تبقى آفاق السنوات اللاحقة مرتبطة بتطور الاستثمار والطلب والظروف الخارجية.
المفارقة إذن ليست أن 5% رقم مستحيل، بل أن “برنامجاً اجتماعياً يمتد خمس سنوات يحتاج إلى تحويل نمو متوقع إلى مورد مالي مستدام”، والفارق بين الاثنين هو بالضبط المكان الذي تبدأ فيه المخاطرة.
3% عجزاً.. و66.8% ديناً
في الحساب الذي قدمه لقجع، تعادل نقطة واحدة من الناتج الداخلي الخام نحو 14 مليار درهم؛ لذلك فإن عجزاً بـ3% يعني تمويل حوالي 42 ملياراً، مقابل قرابة 100 مليار عند عجز 7%، ويستهدف البرنامج خفض المديونية من حوالي 66.8% إلى 62%، مع الاعتماد الأكبر على الدين الداخلي وتوجيه الاقتراض نحو الاستثمار.
لكن ضبط العجز لا يحدث بالتصريحات وحدها، فهو يتطلب موارد متنامية، وتحكماً في النفقات، وقدرة على الحفاظ على كتلة الأجور ونفقات الإدارة ضمن مسار قابل للاستدامة، وهنا تصبح مساهمة المؤسسات والمقاولات العمومية والموارد الجبائية جزءاً من المعادلة، لا مجرد تفاصيل تقنية.
المواطن.. الحلقة الأخيرة في الحساب
في النهاية، لا يقيس المواطن الدولة الاجتماعية بعدد المليارات المعلنة، بل بما يصل إليه منها: مستشفى يعمل، مدرسة تقدم تعليماً جيداً، معاش يحمي من الهشاشة، وشغل يمنح الشباب موقعاً داخل الاقتصاد.
يقول لقجع إن جولاته الانتخابية جعلته يلمس الخصاص ميدانياً، وإن برنامج «البام» يقدم أجوبة لهذه المطالب، لكن الامتحان الحقيقي سيبدأ عندما تتحول الـ390 ملياراً من وثيقة انتخابية إلى اعتمادات وتنفيذ.
“فالرهان ليس على جمع 390 ملياراً في جدول انتخابي؛ الرهان هو أن يأتي النمو بالسرعة الكافية، وأن يبقى العجز تحت السيطرة، وأن تتوافر الموارد، وأن لا يدفع المواطن في النهاية ثمن الفجوة بين الوعد والحساب.”





