
الهندسة الانتخابية وتدوير النخب
تحرير: جيهان مشكور
في ليلة واحدة، سقط «الأحرار» من صدارة البرلمان، صعد «البام» إلى المركز الأول، وعاد «العدالة والتنمية» من 13 مقعداً إلى 54.. لكن الرقم الأكثر إزعاجاً لم يكن في جدول النتائج: بل في نسبة المشاركة التي لم تتجاوز 38.08% فقط من المسجلين، وبين خريطة سياسية تبدلت وأغلبية انتخابية بقيت خارج الصندوق، يفرض السؤال نفسه: هل تغيرت موازين الأحزاب، أم أن المسافة بين السياسة والشارع ما زالت تتسع؟
«البام» أولاً.. و«الأحرار» يدفع فاتورة التراجع
أعلن وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، في الساعات الأولى من الخميس 24 شتنبر، النتائج الأولية لانتخابات 23 شتنبر، التي وضعت الأصالة والمعاصرة في الصدارة بـ97 مقعداً، متبوعاً بالتجمع الوطني للأحرار بـ66 والاستقلال بـ65، فيما جاء العدالة والتنمية رابعاً بـ54 مقعداً.
تكشف الأرقام وحدها انقلاباً واضحاً مقارنة بـ2021. فـ«الأحرار» الذي تصدر آنذاك بـ102 مقعد، فقد 36 مقعداً، بينما انتقل «البام» من 86 إلى 97، وتراجع الاستقلال من 81 إلى 65، والأحزاب الثلاثة نفسها كانت مكونات أساسية في الأغلبية المنتهية ولايتها، التي انتقلت حصيلتها المشتركة من 269 مقعداً في 2021 إلى 228 وفق النتائج الأولية الحالية.
وهنا لا تكفي لغة «تبادل المواقع»، فالنتائج تضع حصيلة الولاية السابقة أمام اختبار سياسي جديد، خصوصاً في ظل ملفات ظلت حاضرة في النقاش العام: القدرة الشرائية، التشغيل، الخدمات العمومية والفوارق الاجتماعية.
عودة «البيجيدي».. الناخب يعيد فتح ورقة أغلقت في 2021
إذا كان «البام» عنوان الصدارة، فإن العدالة والتنمية هو عنوان التحول الأكثر وضوحاً، فالحزب الذي انهار إلى 13 مقعداً في 2021 عاد بـ54، أي أكثر من أربعة أضعاف حصيلته السابقة، ليصبح رابع قوة داخل مجلس النواب، غير أن هذه العودة الاستدراكية لا تعني تجدد الثقة الشعبية في مشروعه السياسي بقدر ما تعاود تجسيد “تصويت العقاب” والتعبير عن معارضة غير منظمة ضد الائتلاف التكنوقراطي الحالي.
حين يصبح الامتناع رقماً سياسياً
ووسط معركة المقاعد، يبقى رقم المشاركة أكثر إثارة للقلق: 38.08%، مقابل 50.86% في 2021 و42.27% في 2016، حيث شارك نحو ستة ملايين ناخب من أصل 15.8 مليون مسجل، فيما كانت المشاركة هذه المرة هي الأدنى منذ 2007 وفق المعطيات المنشورة.
ورغم ان ضعف المشاركة لا يعني تلقائياً فقدان المؤسسات لشرعيتها، الا انه يكشف بلا شك عن “مسافة سياسية واسعة” تستحق أن تقرأها الأحزاب بعيداً عن لغة الانتصار والهزيمة، فالبرلمان الجديد سيبدأ ولايته بخريطة حزبية مختلفة، لكنه سيواجه مجتمعاً ينتظر نتائج ملموسة في الشغل والدخل والخدمات.
وتزداد حساسية هذا التحدي مع استمرار ضغوط سوق العمل؛ إذ أطلق المندوبية السامية للتخطيط في 2026 منظومة جديدة لقياس سوق الشغل، تشمل البطالة الصارمة وأشكالاً أوسع من نقص استخدام اليد العاملة، مع التأكيد على أن أرقام المنهجية الجديدة لا تقارن مباشرة بالأرقام القديمة.
الصدارة ليست نهاية اللعبة
97 مقعداً تجعل «البام» القوة الأولى، لكنها لا تمنحه الأغلبية المطلقة البالغة 198 مقعداً.. لذلك تبدأ بعد إعلان النتائج معركة أخرى: تشكيل الأغلبية، اختيار مكوناتها، ثم تحويل الخريطة البرلمانية إلى حكومة قادرة على الإجابة عن الأسئلة التي تتجاوز صناديق الاقتراع.
“لقد تغيّرت مواقع الأحزاب في البرلمان؛ أما الاختبار الحقيقي فسيبدأ عندما يخرج السياسيون من لغة المقاعد إلى لغة الأسعار، والشغل، والصحة والتعليم.. هناك فقط سيتضح إن كانت انتخابات 23 شتنبر قد غيّرت موازين السلطة، أم اكتفت بإعادة ترتيبها.”
البرلمان تغيّر.. لكن السؤال السياسي لم يتغير
لم تغيّر انتخابات 23 شتنبر 2026 فقط ترتيب الأحزاب داخل البرلمان؛ بل كشفت مفارقة سياسية أكبر: أحزاب تتبادل الصدارة والمقاعد، بينما تظل أغلبية المسجلين خارج العملية الانتخابية.
صعود «البام»، تراجع «الأحرار»، عودة «العدالة والتنمية» وتراجع حصيلة الأغلبية السابقة كلها مؤشرات على إعادة ترتيب المشهد الحزبي، لكنها لا تكفي وحدها للقول إن علاقة المغاربة بالسياسة قد استعادت عافيتها.





