
تحوّل اختفاء الأنسولين من الصيدليات إلى فضيحة صحية مكتملة الأركان، تكشف بالملموس هشاشة تدبير دواء لا يُستعمل للراحة بل للبقاء..
وجد آلاف الأطفال المصابين بداء السكري من النوع الأول أنفسهم فجأة أمام فراغ علاجي لا يرحم، في بلد يُفترض أنه قطع أشواطاً في تعميم الحماية الاجتماعية.
لم تعد الأزمة تقنية ولا ظرفية، بل صارت دليلاً على عطب عميق في منظومة يفترض أن تحمي الأضعف أولاً.
أرقام رسمية… وخطر يتضاعف
تشير المعطيات الصادرة عن وزارة الصحة والحماية الاجتماعية إلى أن عدد المصابين بداء السكري في المغرب يناهز 2.7 مليون شخص، من بينهم عشرات الآلاف من الأطفال المصابين بالنوع الأول من المرض، فيما تضع تقديرات جمعيات متخصصة عدد هؤلاء الأطفال بين 30 و40 ألفاً، مع تسجيل ارتفاع سنوي في الانتشار يتراوح بين 3 و5 في المائة.. يعتمد كل هؤلاء على الأنسولين المستورد بشكل شبه كلي، ما يجعل أي خلل في التزويد تهديداً مباشراً لحياتهم.
سلسلة مكسورة من الاستيراد إلى الصيدلية
تُعزى الأزمة رسمياً إلى إكراهات الاستيراد وتقلبات السوق الدولية، غير أن مهنيين في القطاع الصيدلي يؤكدون أن السبب أعمق من ذلك، فتأخر الصفقات العمومية، و ضعف التنسيق مع المستوردين، وغياب مخزون استراتيجي فعلي للأدوية الحيوية، كلها عوامل راكمتها الإدارة دون حساب للعواقب، و النتيجة أن الصيدليات تُركت عارية أمام غضب الأسر، فيما اكتفت الجهات الوصية بدور المتفرج.
أطفال يدفعون ثمن الارتباك
الحديث عن انقطاع الأنسولين ليس نقاشاً نظرياً، حيث يحدر الأطباء من أن غياب هذا الدواء قد يؤدي خلال ساعات إلى مضاعفات خطيرة، أبرزها الحماض الكيتوني، وهي حالة استعجالية قد تنتهي بالوفاة.. وتكرار هذه السيناريوهات يعني ارتفاعاً محتملاً في الاستشفاء والوفيات، وهو ثمن لا يُقاس بالأرقام بل بالأرواح.
صمت رسمي وأسئلة بلا أجوبة
رغم خطورة الوضع، إلا أن غموض تواصل وزارة الصحة يبقى سيد الموقف، حيث لم تقدم توضيحات دقيقة حول أسباب الانقطاع ولا آجال الحل، يفرغ هذا الصمت خطاب “الدولة الاجتماعية” من مضمونه، ويطرح سؤال المسؤولية السياسية والأخلاقية: كيف يُترك دواء حياة الأطفال رهينة اختلالات إدارية؟
بين الحق الدستوري والإهمال الواقعي
عرت أزمة الأنسولين واقع السياسة الدوائية بالمغرب، حيث يغيب التخطيط الاستباقي ويُدار الحق في العلاج بمنطق رد الفعل، ما يحدث ليس قدراً، بل نتيجة خيارات وتقصير. وفي انتظار تصحيح المسار، يبقى أطفال السكري يدفعون ثمن فشل لا ذنب لهم فيه.





