
حين يكشف الدين ما تخفيه أرقام النمو
قد تبدو أرقام الاقتصاد المغربي مطمئنة من بعيد: نمو يتسارع، وتضخم يتراجع في بعض الفترات، وأسعار فائدة بدأت تنخفض، لكن داخل دفاتر البنوك تظهر صورة أكثر تعقيداً..
فارتفاع القروض المتعثرة الموجهة إلى الأسر بنسبة “3,1% خلال يوليوز 2026″، مع بقاء نسبتها من إجمالي الائتمان عند “8,1%”، يفتح سؤالاً أكبر من مجرد سلامة المحافظ البنكية: إذا كانت شروط الاقتراض تتحسن، فلماذا لا تتحسن بالوتيرة نفسها قدرة الأسر على السداد؟
حين يتحول القرض إلى اختبار للقدرة على العيش
القروض المتعثرة ليست مجرد خانة محاسبية في ميزانيات البنوك، بل مؤشر على قدرة المقترضين على الوفاء بالتزاماتهم، وتكشف بيانات بنك المغرب أن القروض المتعثرة لدى الأسر بلغت “34,5 مليار درهم سنة 2024″، بزيادة 7,1%، فيما بلغ معدل التعثر لديها 10,7%.
ولا يعني ذلك أن كل ارتفاع في التعثر سببه تراجع القدرة الشرائية، لكن المؤشر يفرض سؤالاً اجتماعياً واضحاً: إلى أي حد تستطيع الأسر مواصلة الاعتماد على الائتمان لتمويل السكن والاستهلاك، قبل أن يتحول الدين من أداة لتدبير الحياة إلى عبء يلتهم جزءاً متزايداً من الدخل؟
الفائدة تنخفض.. لكن فاتورة الحياة لا تختفي
المفارقة أن أسعار الفائدة على بعض القروض الموجهة للأفراد عرفت تراجعاً، في سياق نقدي أكثر تيسيراً. غير أن انخفاض كلفة الاقتراض لا يلغي باقي عناصر المعادلة: مستوى الدخل، واستقرار الشغل، وكلفة السكن والنقل والغذاء، ثم حجم الأقساط التي يتعين أداؤها كل شهر.
حتى مسار الأسعار نفسه لا يسير في خط مستقيم.. فبعد تحركات متباينة خلال الأشهر السابقة، ارتفع مؤشر أسعار الاستهلاك في غشت 2026 بنسبة “0,8%” مقارنة بيوليوز، مدفوعاً بارتفاع أسعار المواد الغذائية بـ0,9% وغير الغذائية بـ0,7%.
وهنا يظهر الفرق بين :تباطؤ التضخم” وبين “تحسن القدرة المالية للأسرة”؛ فاستقرار الأسعار أو انخفاض وتيرة ارتفاعها لا يعني تلقائياً أن الدخل أصبح أكثر قدرة على مواجهة الدين.
نمو الاقتصاد.. لكن ماذا يحدث داخل البيت؟
هنا تظهر المفارقة الاقتصادية الأكثر إحراجاً. فقد أشار المندوبية السامية للتخطيط إلى نمو الاقتصاد الوطني بنسبة 4,8% خلال الربع الثاني من 2026، مدفوعاً خصوصاً بتعافي النشاط الفلاحي وصمود الخدمات واستمرار الطلب الداخلي.. ومن هنا تصبح القروض المتعثرة مؤشراً يستحق القراءة خارج لغة الماكرو-اقتصاد: فالنمو الذي لا يتحول إلى قدرة أكبر على مواجهة الالتزامات اليومية يظل نمواً لا يشعر به الجميع بالقدر نفسه.
من يدفع ثمن فجوة الدخل والدين؟
بالنسبة إلى البنوك، ارتفاع التعثر يعني مخاطر أكبر على جودة الأصول والحاجة إلى تدبير المخصصات، وبالنسبة إلى الأسر، يعني تضييق هامش المناورة كلما أصبح جزء أكبر من الدخل محجوزاً لخدمة الدين.
أما السؤال السياسي، فيتجاوز أرقام البنوك: هل يكفي تحسين مؤشرات النمو وتخفيف كلفة الاقتراض، إذا ظل جزء من الأسر يحتاج إلى الدين أصلاً لتعويض ما لا يكفيه الدخل؟
فالاختبار الحقيقي للاقتصاد لا يوجد فقط في معدلات النمو، بل في قدرة الأسرة على دفع قسطها في موعده، وتأمين حاجياتها في الوقت نفسه، وعندما ترتفع القروض المتعثرة، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: “من لم يسدد؟ بل لماذا أصبح السداد أكثر صعوبة؟”





