الرئسيةسياسة

محمد الناجي: القرية ما زالت تحكم المغرب

يرى الباحث الاجتماعي والأستاذ الجامعي محمد الناجي أن نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة لا يمكن قراءتها فقط من خلال عدد المقاعد التي حصلت عليها الأحزاب، بل ينبغي النظر إليها من زاوية البنية الاجتماعية والمجالية التي أنتجت هذه النتائج.

وفي تدوينة له بعنوان «حين يمسك الميت بالحي»، يعتبر الناجي أن الانتخابات كشفت، بحسب قراءته، استمرار اعتماد السلطة على المجال القروي والهوامش الاجتماعية والاقتصادية في ضبط جزء من التوازنات الانتخابية، مقابل تحول المدن إلى فضاءات أكثر تعقيدا وأقل قابلية لإعادة إنتاج الاختيارات نفسها.

ويصف الناجي هذه المفارقة بالقول إن «المغرب العتيق تفوق على المغرب الحديث»، معتبرا أن المناطق القروية، التي تعاني فيها فئات واسعة من الهشاشة والفقر وضعف الفرص، ما تزال تؤدي وظيفة انتخابية أساسية في ترجيح كفة ما يسميه «أحزاب السلطة والأحزاب الملحقة بها».

وبحسب الباحث، فإن ما يسميه «ورقة الهوامش» لا يتعلق بالمجال الجغرافي فقط، وإنما أيضا بالهامش الاجتماعي والاقتصادي، حيث تكون علاقات الاعتماد والوساطة أكثر حضورا، بينما أصبحت المدن أكثر استعصاء على هذا النوع من الضبط.

المدينة ليست بالضرورة يسارية

ويشير الناجي، في المقابل، إلى الحضور الذي حافظ عليه حزب العدالة والتنمية وبعض أحزاب اليسار في المدن، لكنه يحذر من تفسير ذلك باعتباره دليلا تلقائيا على أن الناخب الحضري أصبح حداثيا أو أن اليسار يمثل مشروعا ثوريا.

فحسب قراءته، يرتبط الاختلاف أساسا بالتحولات الاجتماعية التي تعرفها المدن: ارتفاع مستوى التعليم، تعدد مصادر المعرفة والمعلومات، واتساع هامش الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي مقارنة بالمناطق الأكثر هشاشة.

ومن ثم، يرى أن التصويت الحضري قد يكون في جزء منه اختيارا لتجنب الأسوأ أكثر مما هو تعبير عن تبنٍّ كامل لمشروع سياسي محدد.

القروي الذي فقد القبيلة ولم يفقد وظيفته الانتخابية

يستحضر الناجي التحولات التي عرفها المجتمع القروي، خصوصا تراجع الدور التقليدي للقبيلة، وهجرة الشباب، وتزايد عزلة الفلاح وضعف قدرته على التفاوض الجماعي.

لكن المفارقة، في تحليله، أن تراجع القبيلة كقوة اجتماعية لم يؤد إلى اختفاء الوظيفة السياسية للمجال القروي.

بل إن ضعف البنية الاجتماعية وتراجع البدائل الاقتصادية يمكن، بحسب هذه القراءة، أن يجعلا سكان بعض المناطق أكثر عرضة للتأثير الانتخابي، خصوصا في ظل محدودية الآفاق وارتفاع الحاجة إلى الدولة والوسطاء المحليين.

الجهوية المتقدمة أمام اختبار مختلف

ويربط الناجي هذه المعادلة بمشروع الجهوية المتقدمة، معتبرا أن استمرار الفوارق بين المركز والهوامش يجعل الجهوية، إلى حد بعيد، بعيدة عن تحقيق أهدافها.

ففي تصوره، لا يمكن للجهوية أن تنجح بمجرد نقل بعض الاختصاصات، وإنما تحتاج إلى تنمية فعلية للمناطق الهامشية، وتقليص الفوارق المجالية، وخلق فرص اقتصادية واجتماعية تجعل المواطن أقل ارتباطا بمنطق الحاجة والوساطة.

ومن هنا يخلص الباحث إلى أن استمرار الاعتماد السياسي على الهوامش قد يبدو مفيدا على المدى الانتخابي، لكنه يكشف في العمق عن صعوبة مواكبة التحولات الاجتماعية التي يعرفها المغرب.

الاختلاف  في زاوية النظر لا بالضرورة في توصيف الظاهرة

إلى هنا تنتهي قراءة محمد الناجي، كما تفهم من تدوينته،  إن  نتائج الانتخابات تستحق أن تُقرأ من زاوية أخرى أيضا، بل ربما من خلال قلب المثلث بالكامل.

المسألة، ليست فقط أن «المغرب العتيق» تفوق على «المغرب الحديث»، ولا أن السلطة ما تزال قادرة على توظيف الهامش انتخابيا، السؤال الأعمق هو: لماذا ما زال المغرب الحديث نفسه عاجزا عن تحويل تحوله الاجتماعي إلى قوة سياسية ومؤسساتية؟

فالقرية لا ينبغي أن تتحول إلى متهم في هذه القصة، كما لا ينبغي أن تصبح المدينة تلقائيا مرادفا للوعي السياسي.

الناخب القروي ليس هو الذي صنع بنية الهامش، كما أن الناخب الحضري ليس بالضرورة حاملا لمشروع سياسي جديد.

المشكلة، في تقديري، توجد في مكان آخر: في بنية سياسية ما تزال أوسع من المجتمع حين يتعلق الأمر بالتحكم، وأضيق منه حين يتعلق الأمر بتمثيله سياسيا.

وهنا أيضا،بدلا من أن نسأل: كيف استُخدم الهامش انتخابيا؟ ينبغي أن نسأل: لماذا ظل الهامش موجودا أصلا بعد عقود من السياسات العمومية وبرامج التنمية والحديث عن الجهوية؟

وبدلا من أن نقول إن المدينة أصبحت أكثر استقلالا، علينا أن نسأل: لماذا لم تتحول هذه الاستقلالية الاجتماعية والتعليمية والاقتصادية إلى استقلال سياسي مؤثر؟

وبدلا من النظر إلى نتائج الانتخابات باعتبارها انتصارا للمجال القروي على المجال الحضري، يمكن النظر إليها باعتبارها صورة مكثفة لانقسام اجتماعي لم تستطع السياسة المغربية حتى الآن أن تجد له صيغة تمثيلية جديدة.

الانتخابات يجب أن تقرأ أيضا باعتبارها مرآة لعلاقة مختلة بين الدولة والمجتمع

لهذا، فإن  الانتخابات الأخيرة لا ينبغي أن تُقرأ فقط باعتبارها نتيجة لاختيارات الناخبين، بل باعتبارها مرآة لعلاقة مختلة بين الدولة والمجتمع والمجال.

فاذا كانت المدن تنتج أشكالا جديدة من الاحتجاج والتعبير والمطالبة، بينما لا تجد هذه التحولات ترجمتها السياسية الكاملة، فالمشكلة لا تكمن في المدن أيضا، وإنما في الأدوات السياسية التي لم تعد تستوعب التحولات الاجتماعية بالسرعة نفسها.

فالمشكلة ليست أن «الميت يمسك بالحي» فقط، كما يقول الناجي، بل ربما أن الحي نفسه لم يجد بعد المؤسسات السياسية القادرة على التعبير عن حياته الجديدة.

اقرأ أيضا…

الأصوات الغائبة في الانتخابات.. والبرلمان الحاضر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى