
قدمت وزارة الداخلية نتائج الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026 باعتبارها نتائج نهائية، بعدما أكدت لجان الإحصاء الإقليمية والجهوية، برئاسة القضاة، تطابق النتائج النهائية مع النتائج العامة المؤقتة التي أعلنت في الساعات الأولى التي أعقبت الاقتراع.
لكن قراءة الأرقام لا ينبغي أن تتوقف عند ترتيب الأحزاب وعدد المقاعد.
فالنتيجة الأكثر أهمية ربما لا توجد في جدول المقاعد نفسه، وإنما في الجغرافيا التي صنعت هذه المقاعد، وفي حجم المشاركة، وفي المسافة بين عدد المسجلين وعدد الذين صوتوا فعلا، وفي الأوراق التي لم تدخل في احتساب أي حزب.
38.08 في المائة فقط من المسجلين
بلغ عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية العامة 15 مليونا و801 ألفا و162 ناخبا، وكانت نسبة المسجلين من الوسط الحضري 55 في المائة مقابل 45 في المائة من الوسط القروي.
أما نسبة المشاركة الوطنية فبلغت 38.08 في المائة، أي ما يقارب ستة ملايين ناخبة وناخب، مقابل 50.86 في المائة سنة 2021 و42.27 في المائة سنة 2016.
وهنا تبدأ أولى المفارقات.
فالأرقام تعني أن أغلبية المسجلين لم تذهب إلى صناديق الاقتراع. وإذا قيس عدد المصوتين إلى مجموع المغاربة الذين بلغوا سن التصويت، وليس فقط المسجلين، فإن النسبة تنخفض أكثر؛ إذ تقدر حسابات مبنية على المعطيات الرسمية عدد المغاربة في سن التصويت بنحو 27.8 مليوناً، ما يجعل من صوتوا فعلياً في حدود 21.6 في المائة من هذه الفئة. وهذه الأخيرة ليست نسبة رسمية لوزارة الداخلية، وإنما عملية حسابية مبنية على أرقامها.
وهذا يجعل سؤال التمثيلية السياسية أكثر تعقيداً من مجرد سؤال من حصل على المرتبة الأولى.
البام أولاً.. ولكن أين توجد أصواته؟
حصل حزب الأصالة والمعاصرة على 97 مقعداً، متقدماً على التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً، والاستقلال بـ65، والعدالة والتنمية بـ54. ثم جاءت الحركة الشعبية بـ29، والاتحاد الاشتراكي بـ26، والتقدم والاشتراكية بـ19، والاتحاد الدستوري بـ17، بينما حصلت الحركة الديمقراطية الاجتماعية وتحالف اليسار على ثمانية مقاعد لكل منهما.
لكن الرقم الأكثر دلالة بالنسبة إلى البام هو الخريطة المجالية لمقاعده.
فوفق تصنيف الدوائر إلى حضرية وقروية، جاء 63 من مقاعد البام الـ97 من القرى والبوادي، مقابل 34 من المدن والحواضر. أي أن نحو 65 في المائة من مقاعده جاءت من المجال القروي، مقابل نحو 35 في المائة من المجال الحضري. وهذه ليست أرقاماً رسمية منشورة من وزارة الداخلية في جدول مستقل، وإنما تصنيف مجالي للدوائر التي فاز فيها الحزب.
بمعنى آخر، فإن صورة البام الذي تصدر الانتخابات لا يمكن اختزالها في كونه الحزب الأول وطنياً؛ فهو حزب تصنع جزءاً كبيراً من قوته البرلمانية الدوائر القروية وشبه القروية.
وهذه ملاحظة مهمة لأن البنية السكانية للمغرب أصبحت أكثر حضرية، فيما تبدو الخريطة البرلمانية الجديدة أكثر ميلاً إلى الدوائر ذات الطابع القروي.
222 نائبا من البادية مقابل 173 من المدن
التصنيف المجالي العام للنتائج يضع 222 مقعداً من أصل 395 ضمن دوائر يغلب عليها الطابع القروي، مقابل 173 مقعداً للمدن والحواضر.
أي أن نحو 56.2 في المائة من أعضاء مجلس النواب الجديد جاءوا من دوائر قروية، مقابل 43.8 في المائة من دوائر حضرية.
وهنا تظهر مفارقة تستحق النقاش:
المغرب الذي أصبح سكانه يعيشون في المدن بنسبة تقارب الثلثين، ينتج برلماناً يغلب عليه، من حيث تصنيف الدوائر الفائزة، الطابع القروي.
ولا يعني ذلك أن الناخب القروي يصوت بطريقة واحدة أو أن المدن لا تؤثر في النتائج، وإنما يعني أن الوزن الانتخابي والسياسي للدوائر لا يتطابق بالضرورة مع الوزن الديموغرافي للمجال الحضري والقروي.
البام والأحرار والاستقلال.. ثلاث قوى يغلب عليها الامتداد القروي
لا يقتصر الأمر على البام.
فمن أصل 66 مقعدا للتجمع الوطني للأحرار، يأتي 40 مقعدا من الدوائر القروية مقابل 26 من المدن.
ومن أصل 65 مقعدا لحزب الاستقلال، هناك 36 مقعدا قروياً مقابل 29 حضريا.
وبالتالي فإن الأحزاب الثلاثة التي جاءت في المراتب الأولى بعد الاقتراع تمتلك، بدرجات متفاوتة، قاعدة برلمانية يغلب عليها الحضور القروي.
لكن هذه الأرقام يجب ألا تُفهم باعتبارها عدد الأصوات التي حصل عليها كل حزب في البادية. المتاح هو توزيع المقاعد بحسب طبيعة الدوائر، وليس مجموع الأصوات التي حصل عليها الحزب في المجالين الحضري والقروي.
وهذه نقطة منهجية أساسية.
المفاجأة المضادة: العدالة والتنمية حضري بامتياز
إذا كان البام يمثل النموذج القروي الأكثر وضوحا، فإن العدالة والتنمية يقدم الصورة المعاكسة تقريبا.
فمن أصل 54 مقعدا حصل عليها الحزب، جاءت 43 من المدن والحواضر، مقابل 11 فقط من الدوائر القروية. أي أن نحو 80 في المائة من مقاعده جاءت من المجال الحضري.
وهذا يفسر جزءاً من عودة الحزب إلى البرلمان.
فالعدالة والتنمية لم يستعد حضوره أساسا عبر البادية، وإنما عبر المدن؛ وهو ما يجعل خريطته الانتخابية مختلفة جذريا عن خريطة البام والأحرار والاستقلال.
ومن هنا يمكن قراءة نتيجة 2026 باعتبارها تنازعا بين قاعدتين انتخابيتين مختلفتين جغرافيا: قوة قروية واضحة لدى عدد من الأحزاب الكبرى، وقوة حضرية واضحة لدى العدالة والتنمية.
وتحالف اليسار؟ مديني أكثر منه قروي
الأمر أكثر وضوحاً في حالة تحالف اليسار.
فالتحالف الذي رفع تمثيليته من مقعدين لمكوناته منفردة في 2021 إلى ثمانية مقاعد في 2026، حصل على ستة مقاعد في المدن والحواضر مقابل مقعدين في القرى والبوادي.
أي أن 75 في المائة من مقاعده الجديدة جاءت من المجال الحضري.
وهذه ليست ملاحظة هامشية.
فهي تشير إلى أن التحالف استطاع تحويل جزء من حضوره السياسي والفكري والنقابي والمدني إلى تمثيلية انتخابية داخل المدن، لكنه لا يزال ضعيفاً نسبياً في الدوائر القروية.
والأكثر دلالة أن بعض النتائج الحضرية للتحالف لم تكن مجرد مقاعد جهوية؛ فقد فازت نبيلة منيب بمقعد محلي في الدار البيضاء-أنفا، كما فاز عمر محمود بنجلون بمقعد في الرباط-المحيط، إلى جانب نتائج جهوية في عدة جهات.
لكن لا يجوز تحويل المقاعد إلى أصوات
هنا ينبغي الحذر من خطأ شائع في قراءة نتائج الانتخابات.
لا يمكن القول، مثلاً، إن البام حصل على “63 في المائة من أصوات البادية” لأنه حصل على 63 مقعداً من دوائر مصنفة قروية.
ولا يمكن القول إن تحالف اليسار حصل على “75 في المائة من أصوات المدن” لأنه حصل على ستة مقاعد حضرية من أصل ثمانية.
المقعد ليس صوتاً.
فالمقعد هو نتيجة مجموعة من الأصوات داخل دائرة انتخابية، بينما عدد الأصوات يعكس الوزن الانتخابي الحقيقي للحزب. ولذلك فإن معرفة عدد الأصوات التي حصل عليها البام في المدن والبوادي، وعدد أصوات تحالف اليسار في كل منهما، تتطلب نشر وتجميع محاضر مكاتب التصويت والنتائج التفصيلية لكل دائرة.
واللافت أن وزارة الداخلية، في إعلانها العام للنتائج النهائية، قدمت ترتيب الأحزاب وفق المقاعد ولم تنشر في البلاغ الوطني جدولاً مجمعاً للأصوات حسب الحزب والمجال الجغرافي.
الدار البيضاء تكشف الفرق بين المقاعد والأصوات
تعطي نتائج الدائرة الجهوية للدار البيضاء-سطات مثالاً مفيداً على ذلك.
ففي هذه الدائرة حصل البام على 157 ألفا و495 صوتا، أي 19.37 في المائة من الأصوات المعبر عنها، مقابل 139 ألفاً و708 أصوات للعدالة والتنمية، و117 ألفاً و601 للاستقلال، و103 آلاف و132 للأحرار.
وحصل تحالف اليسار الديمقراطي على 31 ألفا و620 صوتا، بما يعادل 3.89 في المائة.
هذه الأرقام تبين أن تحليل القوة الانتخابية يحتاج إلى الذهاب إلى مستوى الأصوات، لا الاكتفاء بعدد النواب.
فالحزب قد يحصل على عدد كبير من المقاعد بفوارق محدودة في عدد من الدوائر، فيما قد يحصل حزب آخر على آلاف أو عشرات الآلاف من الأصوات دون أن تتحول كلها إلى مقاعد.
الرقم الغائب: الأوراق الملغاة
هناك رقم آخر لا يقل أهمية عن عدد الأصوات التي حصلت عليها الأحزاب: الأصوات الملغاة.
حتى 26 شتنبر، لم تنشر وزارة الداخلية، في نتائجها الوطنية النهائية المتاحة، رقما إجماليا وطنيا للأوراق الملغاة. وهذا يعني أن أي رقم وطني متداول حالياً ينبغي التعامل معه بحذر إلى أن يصدر عن الجهة الرسمية.
لكن المعطيات المحلية تكشف أن الظاهرة ليست هامشية.
في دائرة الحي الحسني بالدار البيضاء، مثلاً، بلغت الأصوات الملغاة 7,854 ورقة مقابل 29,657 صوتا معبرا عنه، وفق المعطيات المحلية المنشورة.
وفي أكادير إداوتنان بلغ عدد الأصوات الملغاة 13,174، مقابل 63,268 صوتاً معبراً عنه.
وفي تازة وصل عدد الأصوات الملغاة، وفق معطيات محلية منشورة، إلى 18,349 صوتاً.
هذه الأرقام لا تسمح بعد باستخراج رقم وطني، لكنها تسمح بطرح السؤال السياسي.
هل الورقة الملغاة عزوفٌ آخر؟
لا ينبغي تلقائياً اعتبار كل ورقة ملغاة تصويتاً احتجاجياً.
قد تكون الورقة ملغاة بسبب خطأ في طريقة التصويت، أو عدم احترام قواعد الاقتراع، أو وضع علامة تجعلها غير قابلة للاحتساب.
لكن عندما تكون الظاهرة واسعة، فإنها تصبح، إلى جانب العزوف، مؤشراً يستحق الدراسة.
فالمواطن الذي لا يذهب إلى الصندوق يقول شيئاً مختلفاً عن المواطن الذي يذهب ثم ينتهي صوته إلى ورقة ملغاة.
الأول لم يشارك في الاختيار.
والثاني حضر إلى العملية الانتخابية لكن صوته لم يتحول إلى اختيار حزبي محتسب.
ولهذا اكتسبت الأوراق الملغاة أهمية في تقييم المشاركة السياسية.
وقد اعتبرت بعثة مراقبي الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا أن انخفاض المشاركة، إلى جانب العدد الكبير من الأصوات الملغاة والبيضاء، يمثل تحدياً ديمقراطياً يتعلق ليس فقط بتنظيم الانتخابات، وإنما أيضاً بقدرة المؤسسات السياسية على بناء الثقة وضمان تمثيلية ذات معنى.
انتخابات بأغلبية صامتة
إذا جمعنا المعطيات، تظهر صورة أكثر تعقيداً من عنوان “البام تصدر الانتخابات”.
هناك أولاً 15.8 مليون مسجل، شارك منهم نحو ستة ملايين.
وهناك أغلبية من المسجلين لم تصوت.
وهناك مواطنون في سن التصويت غير مسجلين أصلا.
وهناك أصوات صحيحة توزعت على 27 حزبا وتحالفا ولائحتين مستقلتين تقريبا، فيما توجد أوراق ملغاة وبيضاء لا تدخل في رصيد أي حزب.
ثم هناك برلمان جاءت 56.2 في المائة من مقاعده من دوائر ذات طابع قروي، رغم أن البنية السكانية للمغرب أصبحت أكثر حضرية.
وبذلك لا تعكس الخريطة البرلمانية الجديدة فقط ميزان القوة بين الأحزاب، وإنما تعكس أيضاً طريقة تحويل الأصوات إلى مقاعد، وتوزيع الدوائر، ومستويات المشاركة، والفارق بين المدن والبوادي.
ما الذي تقوله النتيجة عن البام؟
الرقم الأكثر وضوحاً هو أن البام لم يصنع صدارته من المدن وحدها.
97 مقعداً، منها 63 في دوائر قروية و34 في دوائر حضرية، وفق التصنيف المجالي المتاح.
وهذا يعني أن أي تحليل يريد تفسير صعود الحزب عليه أن يدرس، إلى جانب خطابه السياسي وبرنامجه، شبكاته الانتخابية المحلية، قوة مرشحيه، طبيعة الدوائر التي فاز فيها، ونسب المشاركة في تلك الدوائر.
أما تحويل ذلك مباشرة إلى حكم على طبيعة الناخبين أو أسباب اختيارهم، فسيكون تجاوزاً لما تسمح به الأرقام.
وماذا تقول النتيجة عن اليسار؟
في المقابل، تبدو خريطة تحالف اليسار مختلفة تماما.
ثمانية مقاعد، ستة منها في المدن واثنان في البادية.
التحالف إذن نجح في مضاعفة تمثيليته البرلمانية أربع مرات تقريبا مقارنة بمجموع مقاعد مكوناته في 2021، لكنه فعل ذلك أساساً من خلال المجال الحضري.
وهنا يظهر سؤال المرحلة المقبلة بالنسبة إلى التحالف: هل يستطيع تحويل الحضور الحضري الذي ظهر في 2026 إلى قاعدة وطنية أوسع تمتد إلى المدن المتوسطة والقرى والبوادي؟
فالمقاعد الثمانية مهمة لفهم التحول، لكن عدد الأصوات الإجمالي وتوزيعها الجغرافي سيكونان أكثر أهمية لمعرفة حجم القاعدة الانتخابية الفعلية التي تمكن التحالف من بنائها.
الرقم الذي نحتاجه الآن
لذلك فإن القراءة الحقيقية لانتخابات 23 شتنبر لم تنته بعد.
ما نحتاجه ليس فقط معرفة أن البام حصل على 97 مقعداً، أو أن اليسار حصل على ثمانية، وإنما نشر قاعدة بيانات وطنية تتضمن، لكل دائرة ومكتب تصويت:
عدد المسجلين؛
عدد المصوتين؛
عدد الأوراق الملغاة؛
عدد الأصوات الصحيحة؛
أصوات كل حزب؛
نسبة المشاركة؛
الفارق بين الفائز والمرشح الذي يليه؛
وتصنيف الدائرة حضرية أو قروية.
عندها فقط يمكن الانتقال من خريطة المقاعد إلى خريطة الأصوات.
والفرق بين الاثنتين ليس تقنيا.
إنه الفرق بين أن نعرف من دخل البرلمان، وأن نعرف من صوت له المغاربة، وأين، وبأي حجم، ومن بقي خارج المعادلة الانتخابية أصلاً.
وهذا هو السؤال الأهم الذي تتركه انتخابات 23 شتنبر 2026 وراءها: ليس فقط من ربح المقاعد، وإنما كم مغربياً اختار فعلاً، وكم مغربياً لم يجد نفسه في الاختيار، وكم صوتاً وصل إلى البرلمان، وكم صوتاً ضاع بين العزوف والإلغاء؟





