
حين لا تتحول الأصوات إلى مقاعد
تكشف نتائج الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026 عن مفارقة تتجاوز مجرد ترتيب الأحزاب: ترتيب القوى السياسية بحسب الأصوات ليس هو نفسه ترتيبها بحسب المقاعد.
فالأصالة والمعاصرة تصدر النتائج البرلمانية بـ97 مقعدا، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66، ثم الاستقلال بـ65، فالعدالة والتنمية بـ54. لكن ترتيب الأحزاب وفق مجموع الأصوات الوطنية يقدم صورة مختلفة: الأصالة والمعاصرة أولاً بـ1,065,371 صوتا، يليه العدالة والتنمية بـ753,944، ثم الاستقلال بـ730,315، فالتجمع الوطني للأحرار بـ640,468 صوتا.
المفارقة الأبرز أن العدالة والتنمية، الذي تفوق على الأحرار بأكثر من 113 ألف صوت، حصل على 12 مقعداً أقل منه.
الجغرافيا تحسم ما لا يحسمه المجموع الوطني
لا تُجرى الانتخابات التشريعية المغربية على أساس دائرة وطنية واحدة، بل داخل دوائر محلية وجهوية. ويتوزع مجلس النواب بين 305 مقاعد محلية و90 مقعداً جهوياً.
لذلك لا تتحول الأصوات الوطنية مباشرة إلى مقاعد. فالحزب الذي يحصل على أصوات كثيرة لكنها مركزة في دوائر محددة قد لا يحولها كلها إلى مقاعد، بينما يستطيع حزب آخر، حتى برصيد وطني أقل، الاستفادة من توزيع أكثر انتشاراً لأصواته عبر الدوائر.
وهنا تصبح الجغرافيا الانتخابية جزءاً من معادلة القوة البرلمانية، إلى جانب حجم التصويت نفسه.
اقرأ أيضا…
القاسم الانتخابي يزيد تعقيد المعادلة
يزيد القاسم الانتخابي من أهمية هذه الآلية، إذ يُحتسب في كل دائرة على أساس عدد الناخبين المسجلين، وليس عدد المصوتين أو الأصوات الصحيحة، قبل توزيع المقاعد وفق القواعد القانونية، ومنها قاعدة أكبر البقايا.
ومع مشاركة بلغت نحو 38 في المائة، يصبح الفرق بين عدد المسجلين وعدد المصوتين عاملاً مهماً في طريقة توزيع المقاعد.
لهذا لا يمكن قراءة النتائج الوطنية وكأنها انتخابات بنظام النسبية الوطنية المباشرة؛ فالمقعد هو في النهاية نتاج أداء الحزب داخل الدائرة، لا مجرد مجموع أصواته على امتداد البلاد.
الأصوات تكشف شيئا والمقاعد تكشف شيئا آخر
تظهر المفارقة نفسها في أرقام بقية الأحزاب. فقد حصلت الحركة الشعبية على 344,767 صوتاً، والاتحاد الاشتراكي على 330,284، والتقدم والاشتراكية على 241,141، والاتحاد الدستوري على 219,556، والحركة الديمقراطية الاجتماعية على 170,091، فيما جمع تحالف اليسار 136,982 صوتاً.
وتسمح هذه الأرقام بحساب تقريبي لما يمكن تسميته “ثمن المقعد” وطنياً، لكنه يبقى مؤشراً وصفياً لا معياراً قانونياً، لأن المقاعد لم توزع على أساس المجموع الوطني.
وبحسب هذا الحساب، احتاج الأصالة والمعاصرة إلى نحو 11 ألف صوت وطني لكل مقعد، مقابل قرابة 14 ألفاً للعدالة والتنمية، ونحو 9,700 للتجمع الوطني للأحرار، وحوالي 11,200 للاستقلال.
انتخابات بخريطتين
تقدم انتخابات 23 شتنبر، في النهاية، خريطتين متداخلتين: خريطة الأصوات وخريطة المقاعد.
الأولى تقيس حجم التأييد الذي جمعه كل حزب على المستوى الوطني، والثانية تقيس قدرته على تحويل ذلك التأييد إلى تمثيلية داخل مجلس النواب.
ولهذا فإن قراءة النتائج من خلال المقاعد وحدها تخفي جزءا من الصورة، كما أن ترتيب الأحزاب وفق مجموع الأصوات لا يفسر وحده تركيبة البرلمان.

المفارقة بين العدالة والتنمية والأحرار تختصر المسألة: 113 ألف صوت إضافي لم تكن كافية للعدالة والتنمية لتحويل تقدمه الوطني إلى تقدم برلماني. وفي المقابل، استفاد الأحرار من طريقة توزيع أصواته داخل الدوائر ليحصل على تمثيلية أكبر.
وهكذا، فإن السؤال الذي تطرحه نتائج 23 شتنبر ليس فقط: من حصل على أكبر عدد من الأصوات؟ بل أيضا: كيف تحولت هذه الأصوات، وأين، وبأي قواعد، إلى مقاعد؟
القاسم الذي يبدد الأصوات
لا يتعلق الأمر فقط بمفارقة الأرقام بين الأصوات والمقاعد، بل ببنية انتخابية تجعل تحويل الإرادة الانتخابية إلى قوة برلمانية أكثر تعقيداً. فاحتساب القاسم الانتخابي على أساس جميع المسجلين، بمن فيهم من لم يشاركوا في التصويت، يرفع عتبة الوصول إلى المقعد مقارنة باحتسابه على أساس الأصوات المعبر عنها، ويجعل المقاطعة الانتخابية حاضرة بشكل غير مباشر في معادلة توزيع المقاعد.
والنتيجة أن الأصوات لا تتجمع بسهولة حول قوى سياسية كبيرة، بل تتوزع على عدد أكبر من الأحزاب، فيما يتيح نظام الدوائر وتوزيع المقاعد والبقايا تحويل أجزاء متفرقة من الأصوات إلى تمثيلية برلمانية. وهنا تكمن إحدى نتائج النظام: تشتيت الأصوات، إضعاف إمكانية تشكل أغلبية واضحة، ودفع الخريطة البرلمانية نحو مزيد من التعدد والتجزئة.
وبذلك لا تعكس تركيبة البرلمان فقط حجم التأييد الذي حصلت عليه الأحزاب، وإنما تعكس أيضاً هندسة انتخابية تجعل تجميع القوة السياسية أصعب، وتحول دون أن تتحول الكتلة التصويتية الأكبر بالضرورة إلى أغلبية برلمانية قادرة على الحكم.





