
أقر حزب التقدم والاشتراكية بأن النتائج التي أفرزتها انتخابات 23 شتنبر الجاري لم تبلغ مستوى التطلعات التي كان يراهن عليها، معتبراً أن تفسيرها لا يمكن أن يقتصر على عدد المقاعد المحصل عليها، بل يستدعي، وفق قراءته، العودة إلى السياق السياسي والاجتماعي الذي جرت فيه الانتخابات، وفي مقدمته اتساع دائرة العزوف وتراجع الثقة في المؤسسات والعملية السياسية.
وجاء ذلك خلال ندوة صحافية عقدها الحزب اليوم الجمعة، وتلا خلالها الأمين العام نبيل بنعبد الله تصريح المكتب السياسي حول نتائج الاستحقاق الانتخابي.
«قلب المثلث».. من يفوز داخل أقلية انتخابية؟
وضع التقدم والاشتراكية مسألة المشاركة في صلب قراءته للنتائج، مشدداً على أن الخريطة البرلمانية الجديدة تشكلت في ظل مشاركة محدودة.
وبحسب معطيات الحزب، فإن حوالي 62 في المائة من المسجلين في اللوائح الانتخابية لم يتوجهوا إلى صناديق الاقتراع، فيما يوجد ملايين المغاربة خارج اللوائح الانتخابية أصلاً. ولذلك يرى الحزب أن قراءة النتائج العددية بمعزل عن حجم المشاركة قد تقود إلى صورة غير مكتملة عن موازين القوى السياسية والاجتماعية.
ومن هذه الزاوية، يعيد الحزب طرح السؤال الذي يمكن اختزاله في عبارة «قلب المثلث»: هل ينبغي قراءة الانتخابات انطلاقاً من الأحزاب التي تصدرت النتائج، أم من الكتلة الأكبر التي لم تشارك أصلاً في تحديد هذه النتائج؟
استمرار الأغلبية.. والنتيجة لا تعكس، حسب الحزب، حجم الغضب
وتوقف الحزب عند عودة الأحزاب نفسها التي قادت الحكومة خلال الولاية المنتهية إلى صدارة النتائج، معتبراً أن ذلك لا ينسجم مع ما وصفه بتطلعات فئات واسعة من المجتمع.
ويربط التقدم والاشتراكية هذا المعطى بالسياق الذي سبق الانتخابات، والذي طبعته، بحسب تصريحه، حالة من الغضب والاستياء بسبب ارتفاع الأسعار، وتداعيات السياسات الحكومية، وما يعتبره الحزب مظاهر للفساد واختلالات في تدبير الشأن العام.
وبذلك، يرى الحزب أن استمرار التوجه السياسي نفسه لا يعني بالضرورة أن الغضب الاجتماعي لم يكن موجوداً، بل إن جزءاً منه ربما عبّر عن نفسه خارج صناديق الاقتراع.
التقدم خسر جزءا من جمهوره قبل أن يخسر المقاعد
وأقر نبيل بنعبد الله بأن العزوف كان له تأثير مباشر على نتائج التقدم والاشتراكية، بالنظر إلى طبيعة القاعدة الانتخابية التي يعول عليها الحزب.
وأوضح أن الحزب يعتمد بدرجة كبيرة على التصويت السياسي، ولا سيما وسط الفئات الشعبية والوسطى والشرائح المرتبطة بقضايا الديمقراطية والحريات والعدالة الاجتماعية.
غير أن هذه الفئات، وفق قراءة الحزب، كانت حاضرة بقوة في كتلة غير المصوتين وغير المسجلين، وهو ما حرم الحزب، كما يقول، من جزء أساسي من الرصيد الانتخابي الذي كان يمكن أن يترجم إلى أصوات.
مليونا ناخب حُذفوا من اللوائح.. والحزب يطالب بالتفسير
وانتقد الحزب أيضاً ما وصفه بحذف حوالي مليوني ناخبة وناخب من اللوائح الانتخابية قبل موعد الاقتراع، معتبراً أن العملية تمت دون إشعار المعنيين أو تنبيههم إلى ضرورة إعادة التسجيل.
كما أشار إلى أن من بين العوامل التي أثرت في أجواء الانتخابات ما سبق يوم الاقتراع من انتقالات سياسية وحزبية في اللحظات الأخيرة، فضلاً عن استعمال إمكانيات مالية كبيرة من طرف عدد من المرشحين، قال الحزب إنها تجاوزت في حالات عديدة السقف القانوني المسموح به.
وفي المقابل، سجل التقدم والاشتراكية ما اعتبره عدم تدخل للسلطات بشكل عام في العملية الانتخابية.
تأخر النتائج ومحاضر التصويت يثيران أسئلة الحزب
وأثار الحزب كذلك مسألة التأخر في الإعلان عن النتائج، مشيراً إلى أن النتائج لم تظهر بشكل نهائي إلا بعد الثالثة صباحاً.
كما تحدث عن تأخر تسليم محاضر التصويت في عدد من الدوائر، سواء على مستوى مكاتب التصويت أو المكاتب المركزية، إلى ساعات متأخرة من الليل بل وإلى الساعات الأولى من الصباح.
واعتبر التقدم والاشتراكية أن هذه الوقائع تطرح أسئلة حول أسباب التأخر، مؤكداً أن عدم تسليم المحاضر في الآجال والإجراءات القانونية، وفق ما أورده، أمر غير مقبول.
البرامج خارج دائرة التأثير
وسجل الحزب أن البرامج الانتخابية لم تحتل، في تقديره، المكانة التي كان يفترض أن تحظى بها في النقاش العمومي، مؤكداً أن اختيارات الناخبين لم تتحدد أساساً على أساس البرامج والمشاريع السياسية.
وفي هذا السياق، اعتبر الحزب أن خوضه الانتخابات ببرنامج وبحصيلة معارضة للحكومة لم يكن كافياً للوصول إلى النتيجة التي كان يطمح إليها، خصوصاً في ظل مناخ سياسي طغى عليه العزوف وضعف الثقة.
الاثنين المقبل.. بداية مراجعة ما بعد الانتخابات
وبعد إعلان موقفه الأولي من النتائج، قرر المكتب السياسي للتقدم والاشتراكية عقد اجتماع ثانٍ يوم الاثنين 28 شتنبر، لمواصلة التداول في المرحلة المقبلة والقرارات المرتبطة بها، وذلك في أفق انعقاد الاجتماع المقبل للجنة المركزية للحزب.
وهكذا، لا يضع التقدم والاشتراكية نتائج 23 شتنبر في خانة عدد المقاعد فقط، بل يربطها بمثلث أوسع: المشاركة، والثقة، وطبيعة الاختيار السياسي. ومن هنا تصبح قراءة ما بعد الانتخابات مرتبطة ليس فقط بمن دخل البرلمان، وإنما أيضاً بمن اختار البقاء خارجه.





