
أفرزت النتائج النهائية للانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر 2026 خريطة جديدة لمجلس النواب، أعادت توزيع موازين القوى داخل المؤسسة التشريعية، وقلصت الفارق العددي بين الأحزاب الثلاثة التي شكلت الأغلبية الحكومية السابقة وباقي مكونات المجلس.
وتصدر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الاقتراع بـ97 مقعداً، متبوعاً بالتجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعداً، فيما حل حزب العدالة والتنمية رابعاً بـ54 مقعداً.
وباحتساب مجموع مقاعد الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال، في حال استمرار التحالف الثلاثي السابق، يصل رصيد هذه الأحزاب إلى 228 مقعداً من أصل 395، مقابل 167 مقعداً لباقي الأحزاب الممثلة في المجلس.
ويظل هذا التقسيم افتراضياً، إذ لا تتحدد الأغلبية والمعارضة بصورة نهائية إلا بعد تعيين رئيس الحكومة وتشكيل الأغلبية وتنصيب الحكومة وفق المقتضيات الدستورية.
المعارضة تقترب من قلب موازين الرقابة
التحول الأبرز في الخريطة الجديدة يتمثل في ارتفاع مجموع المقاعد التي يمكن أن تتوفر عليها الأحزاب خارج التحالف الثلاثي المفترض من 125 مقعداً في انتخابات 2021 إلى 167 مقعداً في 2026.
ففي انتخابات 2021، حصلت الأحزاب الثلاثة المشكلة للأغلبية السابقة على 270 مقعداً، مقابل 125 مقعداً لباقي المكونات.
أما في التركيبة الجديدة، فقد تراجع مجموع مقاعد هذه الأحزاب إلى 228، بينما ارتفع مجموع باقي الأحزاب إلى 167 مقعداً، أي بزيادة قدرها 42 مقعداً.
ولا يعني ذلك أن الأحزاب الـ167 ستشكل بالضرورة كتلة موحدة، لكن هذا الرصيد العددي يمنحها، في حال التنسيق، إمكانية الاستفادة من عدد من الآليات الدستورية التي كانت خارج متناولها العددية خلال الولاية السابقة.
عتبة الثلث.. ورقة جديدة في يد المعارضة
يبلغ ثلث أعضاء مجلس النواب، المكون من 395 نائباً، 132 نائباً على الأقل.
وهذه العتبة تكتسب أهمية خاصة، لأنها ترتبط بعدد من الآليات البرلمانية والدستورية، من بينها إمكانية طلب تشكيل لجان تقصي الحقائق، وطلب عقد دورة استثنائية لمجلس النواب.
وبالنظر إلى توفر الأحزاب خارج التحالف الثلاثي المفترض على 167 مقعداً، فإنها تستطيع، في حال التنسيق، تجاوز عتبة الثلث بـ35 مقعداً.
ويتيح ذلك للمعارضة المحتملة طلب تشكيل لجنة لتقصي الحقائق دون الحاجة إلى أصوات من الأغلبية، شريطة توفر العدد القانوني والتقيد بالمساطر المحددة دستورياً وقانونياً.
غير أن تشكيل لجنة لتقصي الحقائق لا يعني مسبقاً ثبوت أي مخالفات أو مسؤوليات، إذ تتمثل مهمتها في جمع المعلومات والتحقيق في وقائع محددة وإعداد تقرير وفق الضوابط القانونية.
دورة استثنائية.. المعارضة تملك النصاب المطلوب
ومن بين الأوراق التي أصبحت متاحة عددياً أمام المعارضة المحتملة إمكانية طلب عقد دورة استثنائية لمجلس النواب.
وبما أن الفصل 66 من الدستور يحدد ثلث أعضاء مجلس النواب كإحدى الجهات التي يمكنها طلب عقد دورة استثنائية، فإن بلوغ 132 توقيعاً يصبح ممكناً في حال توحد عدد من الفرق والمجموعات النيابية حول جدول أعمال محدد.
ولا يستطيع أي حزب بمفرده بلوغ هذه العتبة، وهو ما يجعل التنسيق بين مكونات المعارضة عاملاً أساسياً في تفعيل هذه الآلية.
المحكمة الدستورية.. عتبة الخُمس متاحة
الخريطة الجديدة تمنح المعارضة كذلك إمكانية بلوغ عتبة الخُمس المطلوبة لإحالة القوانين على المحكمة الدستورية قبل إصدار الأمر بتنفيذها.
ويعادل خُمس أعضاء مجلس النواب 79 نائباً، وهو رقم تستطيع الأحزاب خارج التحالف الثلاثي المفترض تجاوزه إذا اتفقت حول إحالة نص تشريعي معين.
وتظل هذه الآلية مرتبطة بقرار المحكمة الدستورية، التي تتولى فحص مدى مطابقة النص المحال إليها لأحكام الدستور.
ملتمس الرقابة.. التقديم ممكن والإسقاط غير متاح منفرداً
وفي ما يتعلق بملتمس الرقابة، تبدو المعادلة أكثر تعقيداً.
فالفصل 105 من الدستور يشترط توقيع خُمس أعضاء مجلس النواب على الأقل لتقديم ملتمس الرقابة، أي 79 نائباً، وهي عتبة تستطيع المعارضة المفترضة تجاوزها دون الحاجة إلى أصوات من الأغلبية.
لكن إسقاط الحكومة يتطلب موافقة الأغلبية المطلقة لأعضاء مجلس النواب، أي 198 صوتاً.
وبالتالي، فإن امتلاك 167 مقعداً يسمح بتقديم ملتمس الرقابة ومناقشته، لكنه لا يوفر العدد الكافي بمفرده لإسقاط الحكومة، إذ يلزم الحصول على 31 صوتاً إضافياً على الأقل.
العدالة والتنمية أكبر مكونات المعارضة المحتملة
ويأتي حزب العدالة والتنمية في مقدمة الأحزاب خارج التحالف الثلاثي المفترض من حيث عدد المقاعد، بعدما حصل على 54 مقعداً، مقابل 13 مقعداً في انتخابات 2021.
ويليه حزب الحركة الشعبية بـ29 مقعداً، ثم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بـ26 مقعداً، والتقدم والاشتراكية بـ19 مقعداً، والاتحاد الدستوري بـ17 مقعداً.
كما تتوزع باقي المقاعد على الحركة الديمقراطية الاجتماعية، وتحالف اليسار، وجبهة القوى الديمقراطية، وحزب الإنصاف، والديمقراطيين الجدد، والوحدة والديمقراطية.
هذا التنوع العددي يعكس في الوقت نفسه قوة المعارضة المحتملة وتحدي توحيد مواقفها، بالنظر إلى اختلاف المرجعيات السياسية والبرامج والأولويات بين مكوناتها.
المعارضة أمام اختبار التنسيق
وتكشف الخريطة الجديدة لمجلس النواب أن المعارضة المحتملة تدخل الولاية التشريعية المقبلة برصيد عددي أكبر من ذلك الذي كانت تتوفر عليه سنة 2021، خصوصاً على مستوى عتبتي الخُمس والثلث.
لكن القوة العددية لا تتحول تلقائياً إلى قوة سياسية موحدة، إذ يبقى تفعيل هذه الأدوات مرتبطاً بقدرة الأحزاب على التنسيق حول الملفات المطروحة، وجمع التوقيعات المطلوبة لكل آلية.
وبذلك، فإن برلمان 2026 قد يشهد حضوراً رقابياً أكبر للمعارضة، في وقت ستظل فيه فعالية هذا الدور مرتبطة بمدى قدرتها على تحويل رصيدها العددي إلى تنسيق مؤسساتي داخل مجلس النواب.
أما الأغلبية الحكومية، في حال إعادة تشكيل التحالف الثلاثي السابق، فستظل محتفظة بأغلبية مريحة بـ228 مقعداً، فيما ستكون المعارضة أمام مساحة أوسع لممارسة الرقابة والمساءلة، دون أن تمتلك منفردة العدد الكافي لإسقاط الحكومة.
أرقام جديدة.. وقواعد لعبة قديمة
كل ما سبق يظل، في نهاية المطاف، قراءة افتراضية لخريطة برلمانية مقروءة بالأرقام. فامتلاك 167 مقعداً خارج التحالف الثلاثي المفترض لا يعني بالضرورة وجود معارضة موحدة، كما أن تجاوز عتبة الثلث أو الخُمس لا يتحول آليا إلى قوة سياسية قادرة على فرض مسار جديد داخل المؤسسة التشريعية. الأرقام تفتح إمكانات دستورية، لكنها لا تصنع وحدها إرادة سياسية ولا تنشئ تحالفات من تلقاء نفسها.
والأهم أن تغير موازين المقاعد داخل البرلمان لا يعني بالضرورة تغير قواعد اللعبة السياسية. فقد تتغير الخريطة، وتتبدل أحجام الأحزاب، وتنتقل مقاعد من حزب إلى آخر، بينما تستمر البنية نفسها التي تجعل البرلمان موزعا بين عدد كبير من المكونات، في مشهد من البلقنة الحزبية لا يعكس بالضرورة تعددية سياسية حقيقية قادرة على إنتاج تداول فعلي على السلطة.
لذلك، فإن الاختبار الحقيقي لبرلمان 2026 لن يكون في كم مقعدا تملك المعارضة المحتملة، بل ماذا ستفعل بهذا العدد؟ وهل تستطيع تحويله من رصيد حسابي إلى قوة سياسية متماسكة، أم أن البلقنة ستعيد إنتاج المشهد نفسه بأسماء وأرقام مختلفة؟
فالانتخابات قد تغير توزيع المقاعد، لكنها لا تغير بالضرورة قواعد اللعبة. والتداول على الحكم لا تصنعه كثرة الأحزاب، بل تصنعه تعددية سياسية حقيقية قادرة على إنتاج تداول حقيقي على الحكم.




