الرئسيةسياسة

المنصوري تفاوض و جل الأحزاب تترك الأبواب مفتوحة

دخلت فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة المكلفة، مرحلة دقيقة من المشاورات السياسية لتشكيل الحكومة الجديدة، بعد تعيينها من طرف الملك محمد السادس، عقب تصدر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 شتنبر، بحصوله على 97 مقعداً.

ولم تعد المسألة، بالنسبة إلى المنصوري، مرتبطة فقط بتجميع العدد الكافي من النواب لضمان تنصيب الحكومة، وإنما أصبحت مرتبطة أيضا بصياغة تحالف سياسي قادر على تأمين أغلبية مستقرة، وتوفير الحد الأدنى من الانسجام بين مكوناته، في ظل تعدد الخيارات التي أفرزتها الخريطة البرلمانية الجديدة.

وحل التجمع الوطني للأحرار ثانيا بـ66 مقعداً، يليه حزب الاستقلال بـ65 مقعدا، فيما حصل العدالة والتنمية على 54 مقعدا.

وتفتح هذه النتائج الباب أمام أكثر من تركيبة حكومية، بعضها يقوم على إعادة إنتاج التحالف السابق، وبعضها الآخر قد يوسع دائرة الأغلبية بإدخال أحزاب جديدة، بما قد يغير التوازنات داخل الحكومة والبرلمان معا.

أغلبية جاهزة على الورق

أبسط الحسابات تقود إلى إمكانية إعادة تركيب الائتلاف الذي قاد الحكومة السابقة، عبر جمع الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال.

هذه الأحزاب الثلاثة تتوفر مجتمعة على 228 مقعدا من أصل 395، أي أغلبية مريحة تتجاوز العتبة المطلوبة لتشكيل أغلبية برلمانية، والمحددة في 198 مقعدا.

ومن الناحية العددية، تبدو الصيغة الأكثر وضوحا والأقل تعقيدا، خصوصا أن الأحزاب الثلاثة سبق أن اشتغلت داخل الأغلبية الحكومية نفسها.

لكن سهولة جمع المقاعد لا تعني بالضرورة أن المفاوضات ستكون سهلة؛ إذ إن الانتقال من أغلبية انتخابية إلى أغلبية حكومية يفتح ملفات توزيع المسؤوليات والحقائب والبرنامج الحكومي وتحديد أولويات المرحلة المقبلة.

كما أن نتائج الانتخابات نفسها تضيف عنصرا جديدا إلى هذه المعادلة: الحزب الذي كان يقود الحكومة السابقة جاء هذه المرة في المرتبة الثانية، بينما أصبح الحزب الذي كان أحد مكونات الأغلبية هو المتصدر والمكلف بتشكيل الحكومة.

الأحرار بين المشاركة وكلفة الولاية السابقة

يبدو التجمع الوطني للأحرار أحد المفاتيح الأساسية في حسابات المنصوري، ليس فقط لأنه يمتلك 66 مقعدا، وإنما أيضا بسبب تجربته الحكومية السابقة.

وعقب لقائه بالمنصوري، قال رئيس الحزب محمد شوكي إن المشاورات اتسمت بالوضوح والصراحة، مؤكدا أن مساهمة الحزب في المرحلة المقبلة ستستحضر “المصلحة العليا للوطن”.

لكن موقع الأحرار في الخريطة الجديدة يحمل مفارقة سياسية: الحزب انتقل من قيادة الحكومة إلى المرتبة الثانية في البرلمان، وهو ما يجعل مشاركته المقبلة موضوعا يتجاوز الحساب العددي إلى سؤال الرسالة السياسية التي تحملها نتائج الانتخابات.

وهنا تبرز، وفق قراءة أستاذ القانون الدستوري أمين السعيد، أهمية العلاقة بين القوة العددية للأحزاب وحجم حضورها داخل الحكومة، خصوصا عند التفاوض بشأن الحقائب ذات الوزن السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

ويرى السعيد أن نجاح المشاورات لا يتوقف على تشكيل أغلبية عددية، بل على إنتاج حكومة منسجمة وقادرة على تحويل نتائج انتخابات 2026 إلى دينامية حكومية جديدة.

الاستقلال.. ورقة لا يمكن تجاوزها

يشكل حزب الاستقلال، صاحب المركز الثالث بـ65 مقعدا، طرفا مركزيا في أي صيغة واسعة للأغلبية.

وقد أبلغ الأمين العام للحزب نزار بركة المنصوري بأن المشاورات كانت مناسبة لتبادل وجهات النظر بشأن المرحلة السياسية الجديدة، فيما يستعد المجلس الوطني للحزب لمناقشة نتائج الانتخابات وموضوع المشاركة في الحكومة.

وبذلك لا تبدو مشاركة الاستقلال محسومة فقط بمنطق الحسابات العددية، بل مرتبطة أيضا بما سيقرره الحزب بشأن موقعه داخل المرحلة المقبلة، وبالشروط السياسية والبرنامجية التي يمكن أن يطرحها خلال المفاوضات.

وفي حال اجتماع الأحزاب الثلاثة، فإن المنصوري ستكون أمام أغلبية مريحة عدديا، لكن عليها في المقابل تدبير إرث الحكومة السابقة، وتوزيع مراكز القوة داخل أغلبية جديدة أصبح فيها “البام” صاحب المرتبة الأولى والقرار السياسي في تشكيل الحكومة.

توسيع الأغلبية.. من الحساب العددي إلى البحث عن الانسجام

السيناريو الثاني يتمثل في توسيع قاعدة الحكومة لتضم أحزابا أخرى إلى جانب المكونات الثلاثة الأساسية.

وقد أظهرت المشاورات الأولى أن المنصوري لا تتحرك في اتجاه مغلق، إذ شملت لقاءاتها أحزابا من مواقع سياسية مختلفة، من بينها الحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، فضلاً عن الاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية.

وتحمل هذه الصيغة أكثر من دلالة. فمن جهة، تمنح رئيسة الحكومة هامشا أوسع في هندسة الأغلبية، ومن جهة ثانية تسمح بإعادة توزيع التوازنات داخل الحكومة، لكنها قد تجعل عملية التفاوض أكثر تعقيدا كلما ارتفع عدد الأحزاب المشاركة.

فالزيادة في عدد المقاعد ليست بالضرورة مرادفة لزيادة الانسجام السياسي، وقد تتحول الحكومة إلى ائتلاف واسع يحتاج إلى تفاهمات دقيقة حول البرنامج والحقائب وآليات اتخاذ القرار.

الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية.. هل تتجاوز المشاورات منطق المقاعد؟

تكتسب مشاركة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية في المشاورات أهمية خاصة، بالنظر إلى أن دخول أحدهما أو كليهما إلى الحكومة يمكن أن يغير طبيعة الأغلبية سياسيا ولو نسبيا، حتى لو لم يكن وجودهما ضروريا من الناحية الحسابية.

الاتحاد الاشتراكي لم يحسم موقعه بشكل نهائي، إذ فوض مكتبه السياسي الكاتب الأول إدريس لشكر ورئيس المجلس الوطني مصطفى عجاب مواصلة المفاوضات مع المنصوري، مع إبقاء المكتب السياسي في حالة انعقاد لمتابعة التطورات.

أما نبيل بنعبد الله، الأمين العام للتقدم والاشتراكية، فأكد بعد لقائه بالمنصوري وجود نقاط التقاء بين الحزبين وبرنامجيهما الانتخابيين، مع الإشارة إلى أن حزبه لم يحسم بعد كيفية تعامله مع الوضع السياسي الجديد.

وهذا يجعل هذه الأحزاب أوراقا سياسية في يد رئيسة الحكومة المكلفة، وليس مجرد أرقام إضافية في جدول المقاعد.

الحركة الشعبية تعرض “قطيعة إيجابية”

من جهتها، قدمت الحركة الشعبية نفسها خلال المشاورات باعتبارها طرفا يبحث عن تغيير في طريقة تدبير المرحلة المقبلة.

وقال الأمين العام للحزب محمد أوزين، عقب لقائه بالمنصوري، إن الحركة الشعبية والأصالة والمعاصرة توصلا إلى قناعة بضرورة إحداث “قطيعة إيجابية مع المرحلة السابقة”، معتبرا أن الأغلبية والمعارضة مطالبتان بأن تكونا عند حسن الظن.

وتكشف هذه العبارة أن المفاوضات لا تدور فقط حول سؤال: من يدخل الحكومة؟ وإنما أيضا حول سؤال: بأي برنامج وبأي طريقة ستُدار المرحلة الجديدة؟

وهذا تحديدا ما يمكن أن يجعل تشكيل الحكومة أكثر تعقيدا من مجرد جمع 198 مقعدا.

المعارضة أيضا جزء من معادلة التشكيل

لا تنحصر أهمية المشاورات في الأحزاب التي يمكن أن تدخل الحكومة، إذ إن شكل المعارضة المقبلة سيؤثر بدوره في طبيعة العمل البرلماني.

وقد أعلنت أحزاب ومكونات سياسية مواقف مختلفة من المشاركة والمعارضة.

كما أن حزب العدالة والتنمية، الذي حصل على 54 مقعدا، اتجه إلى التموقع في المعارضة، بينما دخل تحالف اليسار بدوره في مشاورات مع المنصوري قبل أن يتعذر عقد اللقاء بسبب خلاف حول مكان انعقاده.

وفي المقابل، أكدت المنصوري أن باب التشاور مفتوح أمام مختلف الأحزاب، معتبرة أن المشاركة في المشاورات تظل مسألة مرتبطة بحرية كل حزب، لكنها شددت على أن التشاور “مفروض” بحكم المصلحة المشتركة.

وهكذا، فإن هندسة الحكومة ستترافق بالضرورة مع هندسة معارضة جديدة، وهو ما سيحدد جزءا مهما من شكل الحياة البرلمانية خلال الولاية المقبلة.

الاختبار الحقيقي: برنامج الحكومة لا عدد وزرائها

يرى أستاذ القانون الدستوري  أمين السعيد أن الرهان لا ينبغي أن يتوقف عند تشكيل ائتلاف قادر على تأمين الأغلبية، بل يمتد إلى طبيعة الوجوه التي ستشكل الحكومة وإلى قدرتها على الاستجابة للمرحلة الجديدة.

وهنا ستجد المنصوري نفسها أمام معادلة أكثر تعقيدا: كيف تجمع بين الاستقرار السياسي، ونتائج الانتخابات، ومطالب الأحزاب، وفي الوقت نفسه تقدم حكومة بوجوه وبرنامج قادرين على إقناع البرلمان والرأي العام؟

فالتحدي لن يكون في العثور على 198 صوتا فقط، بل في تحويل تلك الأصوات إلى أغلبية سياسية متماسكة.

ومن هذه الزاوية، فإن المفاوضات المقبلة ستدور حول ثلاثة مستويات متداخلة: حجم الأغلبية، تركيبتها السياسية، والبرنامج الذي ستلتزم به أمام البرلمان.

المنصوري أمام أكثر من خريطة

المشهد الحالي يضع رئيسة الحكومة المكلفة أمام خريطة متعددة الخيارات:

إعادة بناء التحالف الثلاثي بين الأصالة والمعاصرة والأحرار والاستقلال، بما يوفر 228 مقعدا.

توسيع الأغلبية بإضافة أحزاب أخرى، بهدف منح الحكومة قاعدة سياسية وبرلمانية أوسع.

إعادة ترتيب التحالفات وفق التقاطعات البرنامجية، لا وفق الترتيب الانتخابي وحده.

تقليص عدد مكونات الحكومة مقابل البحث عن أغلبية أكثر انسجاما، وهو خيار يجعل التفاوض حول توزيع المسؤوليات أكثر حساسية.

وبحسب محللين، فإن النقاش لا يتعلق فقط بعدد الأحزاب التي ستدخل الحكومة، بل أيضا بالهندسة التشريعية لمجلس النواب، بما فيها رئاسة المجلس والمكتب والهياكل البرلمانية، فضلاً عن صياغة برنامج حكومي قادر على جمع البرامج الانتخابية للأحزاب المتحالفة.

من أغلبية الأرقام إلى أغلبية السياسة

لذلك، فإن السؤال الذي ستجيب عنه الأسابيع المقبلة ليس فقط: كم مقعداً تحتاج المنصوري لتشكيل الحكومة؟ فالجواب الحسابي واضح.

السؤال السياسي الأصعب هو: أي أغلبية تريد المنصوري أن تقود بها المرحلة الجديدة؟

فالـ228 مقعدا التي يوفرها تحالف “البام” والأحرار والاستقلال تمنحها هامشا عدديا مريحا، لكنها لا تحسم وحدها شكل الحكومة المقبلة ولا برنامجها ولا مستوى الانسجام بين مكوناتها.

وبقدر ما ستكون المنصوري مطالبة بتأمين الأغلبية داخل البرلمان، ستكون مطالبة أيضا بتحويل نتائج انتخابات 23 شتنبر إلى صيغة سياسية واضحة: حكومة تعرف لماذا اجتمعت، وما الذي تريد تغييره، وكيف ستدبر التباينات داخلها، وفي أي اتجاه ستذهب في علاقتها مع المعارضة والبرلمان.

وهنا تحديدا ستنتقل المشاورات من حساب المقاعد إلى اختبار السياسة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى