
تحرير: أحمد ناو
لم تحمل انتخابات 23 شتنبر، في نتائجها العامة، ذلك النوع من المفاجآت السياسية التي تقلب موازين المشهد أو تفتح الطريق أمام تغيير جوهري في قواعد اللعبة.
صحيح أنها أعادت توزيع الأحجام والمواقع بين الأحزاب، وأسقطت حزبا من موقع قيادة الحكومة، ورفعت حزبا آخر إلى موقع رئاسة الحكومة، لكنها لم تنتج قوة سياسية جديدة تملك وحدها القدرة على فرض مسار مختلف.
وهذا بالضبط ما يفسر اتساع هامش المناورة أمام صناع التحالفات بعد ظهور النتائج. فحين لا تحمل صناديق الاقتراع تحولا نوعيا في موازين القوى، وهو ما يعد من باب المستحيلات في ظل القوانين التنظيمية الحالية للانتخابات، تصبح مرحلة تشكيل الحكومة امتدادا للانتخابات ولكن بأدوات مختلفة: التفاوض، وإعادة ترتيب المواقع، وتحديد من يدخل الحكومة ومن يذهب إلى المعارضة، إلا من اختارها باستقلالية وقبل تشكل الحكومة، حالة العدالة والتنمية وتحالف اليسار.
وبذلك، يبدو أن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم ليس فقط من سيشكل الحكومة، وإنما إلى أي حد تعكس الحكومة المقبلة نتائج الاقتراع، وإلى أي حد تعكس هندسة سياسية لاحقة للانتخابات؟
«البام» يعيد ترتيب الطاولة
المؤشر الأكثر وضوحا على ذلك جاء من حزب الأصالة والمعاصرة، بعدما فوض مجلسه الوطني، المنعقد اليوم السبت بالصخيرات، فاطمة الزهراء المنصوري واللجنة المكلفة بالمشاورات تدبير مفاوضات تشكيل الحكومة المقبلة.
لكن الأهم من التفويض هو موقف المنصوري من التجمع الوطني للأحرار. فقد أكدت أن موقفها من مشاركة الحزب في الحكومة المقبلة كان واضحا قبل انعقاد المجلس الوطني، مشددة على رفض إعادة التحالف معه.
إذا استقر هذا الموقف في التركيبة النهائية للحكومة، فإننا نكون أمام إعادة ترتيب مهمة داخل الأغلبية، لكن ليس بالضرورة أمام تحول في قواعد الحكم.
فاستبدال حزب بآخر داخل الائتلاف الحكومي لا يعني، في حد ذاته، تغييرا في طبيعة النظام السياسي أو في الطريقة التي تتشكل بها الحكومات.
إنه تغيير في هندسة الأغلبية أكثر منه تغيير في قواعد اللعبة.
التقدم والاشتراكية.. من المعارضة إلى بوابة المشاركة؟
هنا تحديدا يصبح موقف حزب التقدم والاشتراكية أكثر دلالة، فالنقاش داخل الحزب، وفق المعطيات المتداولة، لم يعد محسوما لصالح الاستمرار في المعارضة.
هناك اتجاه يدافع عن الحفاظ على الموقع الذي بناه الحزب خلال الولاية السابقة، واتجاه آخر عارم يرى أن المشاركة أصبحت ممكنة بالنظر إلى مضمون المشاورات وإلى طبيعة الأحزاب التي قد تشكل الحكومة المقبلة.
وكان نبيل بنعبد الله قد ربط موقف حزبه من المشاركة بمضمون العرض السياسي للحكومة وبهوية مكوناتها.
وهذا الشرط يكتسب أهمية خاصة اليوم، لأن رفض «البام» عودة الأحرار إلى الحكومة غيّر نسبياً الحسابات داخل عدد من الأحزاب.
فالمشاركة التي كانت ستبدو أكثر صعوبة في ظل استمرار الأغلبية السابقة، قد تصبح أكثر قابلية للنقاش إذا تشكلت أغلبية جديدة تضم الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والحركة الشعبية والتقدم والاشتراكية.
لكن هذا السيناريو يحمل في داخله سؤالا سياسيا أكبر: ماذا يبقى من المعارضة إذا غادرتها بعض مكوناتها الأساسية باتجاه الحكومة؟
الاستقلال والاتحاد الاشتراكي.. تفاوض تحت سقف جديد
حزب الاستقلال يتحرك بدوره في فضاء تفاوضي أصبح أكثر اتساعا بعد موقف «البام» من الأحرار.
فموقف الحزب الذي تتولى قيادته رئاسة الحكومة المكلفة من الأحرار يمنح الاستقلال، كما يمنح غيره، فرصة أكبر للدخول في تركيبة الأغلبية المقبلة.
أما الاتحاد الاشتراكي، فيبدو وضعه أكثر تعقيدأ، فإدريس لشكر حصل على تفويض للتفاوض، لكنه يتحرك وسط اهتزاز تنظيمي وسياسي داخل الحزب وضغوط تدفع في اتجاه المعارضة.
وبالتالي فإن مشاركته في الحكومة، إذا تمت، لن تكون مجرد قرار تفاوضي، وإنما ستكون أيضا اختبارا لقدرة القيادة على تمرير خيار المشاركة داخل الحزب، أو دفع الحزب لنهايته التامة.
وهنا تتكرر مفارقة المشهد السياسي المغربي: أحزاب تستطيع أن تنتقل من المعارضة إلى الحكومة أو من الحكومة إلى المعارضة من دون أن تكون الانتخابات نفسها قد فرضت عليها هذا الانتقال بشكل حاسم.
الأحرار.. خطاب ما بعد الحكومة
في الجهة الأخرى، يقدم خطاب محمد شوكي أمام المجلس الوطني الاستثنائي للتجمع الوطني للأحرار مؤشراً على أن الحزب يستعد لاحتمال تغيير موقعه.
فشوكي قال إن تغير المواقع والتحالفات لا يغير من مسؤولية الحزب وأدواره، وإن الأحرار سيظل حاضرا وقويا وسيساهم في المرحلة المقبلة من الموقع الذي ستختاره مؤسساته.
واللافت هنا أن الخطاب لا يتمحور حول الدفاع عن حق الحزب في الاستمرار داخل الحكومة، بقدر ما يركز على استمرارية دوره السياسي أيا كان الموقع.
وهي رسالة ذات دلالة في مرحلة تتغير فيها مواقع الأحزاب بسرعة: الحكومة تنتهي، لكن الحزب يحاول أن يقدم نفسه باعتباره مستمرا في الفعل السياسي.
تحالف اليسار.. المعارضة التي تراهن على ما هو أبعد من البرلمان
وسط هذه الحركة الواسعة بين الحكومة والمعارضة، يبدو تحالف اليسار أكثر وضوحا في تموقعه.
فالحزب الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار الديمقراطي دخلا الانتخابات ضمن تحالف واحد، وحصلا على ثمانية مقاعد، لكن الأهم أن التحالف اختار عدم تحويل هذه المقاعد إلى ورقة تفاوض حول المشاركة في الحكومة.
لقد أعلن تمسكه بالمعارضة، وقدمها باعتبارها موقعا سياسيا وليس مجرد نتيجة لعدم الحصول على ما يكفي من المقاعد لدخول الأغلبية.
لكن القيمة الحقيقية لهذا الاختيار لن تتحدد داخل قاعة البرلمان وحدها، فالمعارضة التي يمكن أن تمنح لتحالف اليسار معنى سياسيا مختلفا هي تلك التي تستطيع أن تصل بين المؤسسة والشارع، وبين العمل البرلماني والحركات الاجتماعية والنقابات والقوى المدنية.
وهنا يصبح الحديث عن تحالف اليسار أكبر من الحديث عن ثمانية مقاعد، فهذه المقاعد قد تكون محدودة عدديا، لكنها يمكن أن تكتسب وزنا سياسيا إذا استطاع أصحابها أن يجعلوا من البرلمان منصة لطرح الأسئلة التي تتجاوز الحسابات الانتخابية اليومية: الحريات، العدالة الاجتماعية، التفاوتات، التشغيل، الخدمات العمومية، الديمقراطية، والحقوق السياسية والمدنية.
غير أن ذلك يفترض أيضا قدرة التحالف على الانفتاح على القوى الاجتماعية الحية من دون محاولة اختزالها حزبيا أو احتوائها تنظيميا.
الشارع.. المعطى الغائب في هندسة التحالفات
وهنا تظهر الحلقة التي تكاد تكون غائبة عن معظم الحسابات الجارية حول تشكيل الحكومة: الشارع.
فالهندسة الحزبية تستطيع أن تعيد توزيع المقاعد والمواقع، ويمكن للمفاوضات أن تعيد تركيب الأغلبية والمعارضة داخل البرلمان، لكن لا توجد هندسة حزبية قادرة بالضرورة على التحكم في ما يحدث خارج المؤسسات.
الحركات الاحتجاجية والاجتماعية والنقابية، والشباب الذين يعبرون عن مطالبهم خارج القنوات الحزبية التقليدية، تملك أجندتها الخاصة، وقد تفرض على الحكومة المقبلة ملفات لم تكن جزءا من حسابات المفاوضات.
وهذا تحديدا هو المعطى الذي ينبغي ألا يغيب عن قراءة مرحلة ما بعد الانتخابات.
فقد تكون الأحزاب منشغلة بتوزيع الحقائب والمواقع، بينما يكون المجتمع منشغلا بأسئلة أخرى أكثر مباشرة: الشغل، الصحة، التعليم، الأسعار، العدالة المجالية، الحريات، والكرامة الاجتماعية.
ومن هنا فإن استقرار الحكومة المقبلة لن يتحدد فقط بقدرتها على جمع أغلبية برلمانية، وإنما أيضا بقدرتها على التعامل مع مجتمع لم يعد بالضرورة ينتظر من الأحزاب وحدها أن تعبر عن مطالبه.
هل تستطيع الحكومة هندسة المعارضة والشارع معا؟
إذا انتهت المشاورات إلى حكومة تضم الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والحركة الشعبية والتقدم والاشتراكية، فإن المعارضة ستجد نفسها أمام تركيبة جديدة.
وقد يؤدي انتقال بعض القوى من المعارضة إلى الحكومة إلى إضعاف المعارضة عدديا، بينما قد يدخل إليها حزب خرج للتو من الحكومة من دون أن يكون ابن تقاليدالمعارضة السياسية والتنظيمية.
لكن الأخطر هو أن يجري التعامل مع المعارضة باعتبارها مجرد معادلة داخل البرلمان.
فالمعارضة السياسية يمكن أن تكون محدودة عدديا داخل المؤسسة التشريعية، بينما تتسع المساحات الاحتجاجية خارجها. وفي هذه الحالة لا يعود ممكنا اختزال التوازن السياسي في عدد المقاعد.
وهنا يمكن أن يصبح تحالف اليسار أمام فرصة، ولكن أيضا أمام مسؤولية: هل يستطيع أن يكون جسرا سياسيا بين المؤسسات والمجتمع، من دون أن يدعي تمثيل الشارع أو اختزاله؟
فالحركات الاجتماعية لا تحتاج بالضرورة إلى وصاية حزبية، لكنها تحتاج إلى فضاء سياسي قادر على نقل مطالبها إلى المؤسسات، والدفاع عنها، وتحويلها إلى أسئلة عمومية وسياسات قابلة للنقاش والمساءلة.
الانتخابات غيرت المقاعد أكثر مما غيرت قواعد اللعبة
في النهاية، تكشف مفاوضات تشكيل الحكومة أن انتخابات 23 شتنبر لم تنتج تغييرا جوهريا في قواعد إنتاج السلطة.
لقد تغيرت المواقع، وتراجعت أحزاب وتقدمت أخرى، وتبدلت قيادة الحكومة، لكن لم تظهر كتلة سياسية جديدة تحمل مشروعا مختلفا قادرا على فرض إعادة صياغة للعلاقة بين الحكومة والبرلمان وباقي مراكز القرار.
وهذا ما يجعل هامش المناورة واسعاً أمام صناع التحالفات.
فالصناديق أعطت الأحزاب أحجاما جديدة، لكنها لم تغلق أمامها أبواب التحالف. والنتيجة أن مرحلة ما بعد الانتخابات تحولت سريعا إلى مرحلة لإعادة تركيب الخريطة السياسية.
بمعنى آخر: الانتخابات غيّرت توزيع المقاعد، لكنها لم تغير بالضرورة قواعد اللعبة.
لكن ما قد يصعب هندسته هو ما يقع خارج البرلمان.
فالشارع، والحركات الاجتماعية، والنقابات، والمبادرات المدنية، والشباب الذين يبحثون عن قنوات أخرى للتعبير، تظل عناصر مستقلة نسبيا عن الحسابات التي تجري داخل مقرات الأحزاب.
المعركة الحقيقية تبدأ بعد تشكيل الحكومة
لهذا فإن تشكيل الحكومة المقبلة لن يكون وحده معيار الحكم على مخرجات الانتخابات.
المعركة السياسية الحقيقية ستبدأ بعد تشكيلها: داخل البرلمان، ولكن أيضا خارجه.
فالحكومة ستكون مطالبة بتحويل أغلبيتها العددية إلى قدرة على الإنجاز، بينما ستكون المعارضة مطالبة بإثبات أنها ليست مجرد تجميع لأحزاب خارج السلطة. وسيكون تحالف اليسار أمام اختبار مزدوج: الحفاظ على استقلال قراره السياسي، وتحويل حضوره البرلماني إلى صلة فعلية بالمجتمع وقضاياه.
أما الشارع، فسيظل المتغير الذي لا يدخل بسهولة في جداول توزيع الحقائب ولا في حسابات التحالفات.
وهنا ربما تكمن المفارقة الأساسية في المشهد الجديد: يمكن هندسة الحكومة، ويمكن إعادة هندسة المعارضة، لكن لا يمكن بالسهولة نفسها هندسة المجتمع.
وإذا كانت انتخابات 23 شتنبر قد منحت صناع التحالفات هامشا واسعا لإعادة ترتيب المواقع داخل المؤسسات، فإن ما سيحدد طبيعة المرحلة المقبلة قد يكون في النهاية ما يحدث خارجها.





