
تحرير: أحمد مقبول
لم تكن لحظة تدشين تحالف اليسار لموقعه داخل المعارضة مجرد إعلان عن تموقع برلماني جديد، ولا مجرد نتيجة مباشرة لحصوله على ثمانية مقاعد في الانتخابات التشريعية الأخيرة.
اختار تحالف اليسار أن يضع نفسه خارج دائرة التفاوض على المناصب
فالتحالف، الذي يدخل البرلمان بكتلة محدودة عدديا لكنها محملة برمزية سياسية كبيرة، اختار أن يحول هذا الرقم إلى نقطة انطلاق لمعركة أوسع حول معنى المعارضة، وحدود الحكومة، وطبيعة العلاقة بين المؤسسات المنتخبة ومراكز القرار.
والأكثر دلالة أن هذه المعارضة تدشن في لحظة سياسية دقيقة: فاطمة الزهراء المنصوري، المعينة لتشكيل الحكومة، تفتح مشاوراتها مع الأحزاب، فيما يختار تحالف اليسار أن يضع نفسه خارج دائرة التفاوض على المناصب، وأن يجعل من موقعه البرلماني فضاء للمساءلة والمواجهة السياسية.
هنا بالضبط تكمن أهمية اللحظة، فالمسألة ليست في أن ثمانية نواب قادرون عدديا على تغيير موازين الأغلبية، وإنما في ما إذا كان بإمكان هؤلاء النواب أن يحولوا المقاعد الثمانية إلى منصة سياسية لصناعة معارضة حقيقية، تربط البرلمان بالمجتمع، والمؤسسة بالحركات الاجتماعية، والرقابة البرلمانية بالنقاش العمومي.
ثمانية مقاعد.. ورهان أكبر من الحساب العددي
في الحساب البرلماني الصرف، لا تمثل ثمانية مقاعد قوة قادرة على فرض أجندتها داخل مجلس النواب. لكن السياسة لا تُقاس دائما بالعدد.
فالتحالف يدخل المؤسسة التشريعية وهو يحمل معه خطابا مختلفا عن منطق توزيع المواقع والبحث عن موطئ قدم داخل الحكومة. وهذا ما يمنح مقاعده الثمانية معنى يتجاوز وزنها العددي.
فالاختبار الحقيقي أمام تحالف اليسار ليس أن يصبح رقما إضافيا في البرلمان، وإنما أن يثبت أن المعارضة يمكن أن تكون مشروعا سياسيا، لا مجرد وضعية دستورية.
ومن هنا تبدو المعركة المقبلة أكثر عمقا: هل يستطيع التحالف أن يجعل من الثمانية نواب صوتا موحدا في مواجهة حكومة قد تكون واسعة عدديا، لكنها مطالبة بتقديم إجابات سياسية واضحة حول السلطة والمسؤولية والاختيارات الاجتماعية والاقتصادية؟
لقاء المنصوري.. اختبار مبكر لمعنى الحكومة
لقاء تحالف اليسار بفاطمة الزهراء المنصوري لا ينبغي قراءته باعتباره محطة بروتوكولية ضمن مشاورات تشكيل الحكومة.
فالتحالف يدخل اللقاء من موقع واضح: ليس في حالة انتظار لحقيبة، ولا يبحث عن موقع داخل الأغلبية، وإنما يريد أن يعرف أي حكومة يجري تشكيلها، وبأي برنامج، وبأي هامش من القرار السياسي.
وهنا تظهر إحدى أكثر الأسئلة حساسية في المرحلة المقبلة: هل ستكون الحكومة المقبلة حكومة بالمعنى السياسي الكامل، أم حكومة تدير برنامجا معدا سلفا وتتحرك داخل هوامش مرسومة؟
هذا السؤال هو جوهر المواجهة التي يفتحها تحالف اليسار.
فالتحالف لا يقول إنه يعارض شخص رئيس الحكومة، ولا يعارض مبدأ تولي فاطمة الزهراء المنصوري رئاسة الحكومة، وإنما يضع أمامها سؤالا أكثر جوهرية: ما الذي يعنيه أن تكون هناك حكومة في ظل دستور 2011؟
من “حكومة الملك” إلى حكومة مسؤولة أمام البرلمان
المعركة التي يفتحها تحالف اليسار تتجاوز توزيع الحقائب الوزارية إلى مفهوم السلطة نفسه.
فالحكومة، وفق المنطق الدستوري والسياسي، ليست مجرد جهاز لتنفيذ التوجيهات، ولا ينبغي أن تتحول إلى مجموعة من المسؤولين الذين يتحملون مسؤولية النتائج دون أن يمتلكوا كامل أدوات القرار.
ولهذا فإن الحديث عن “برنامج الحكومة” لا يمكن أن ينفصل عن سؤال: من يضع هذا البرنامج؟ ومن يتحمل مسؤوليته؟ ومن يملك سلطة اتخاذ القرار بشأنه؟
وهنا تصبح المعارضة أكثر من مجرد تصويت ضد الحكومة، إنها مطالبة بأن تكشف، في كل ملف، أين تبدأ مسؤولية الحكومة وأين تنتهي، وأين توجد السلطة الفعلية، ومن يتحمل القرار السياسي أمام المواطنين والمؤسسة التشريعية.
هذه هي النقطة التي يمكن أن تمنح تحالف اليسار موقعا مختلفا داخل البرلمان: تحويل سؤال المسؤولية إلى سؤال سياسي دائم.
رمزية المكان.. المعارضة تبدأ من خارج منطق الاستوزار
اختيار تحالف اليسار لموقعه السياسي في هذه اللحظة يحمل أيضا دلالة رمزية، فهو لا يدخل المشاورات باعتباره حزبا يريد اقتسام السلطة، بل باعتباره قوة برلمانية تريد مراقبتها.
وهذه النقطة بالذات يمكن أن تمنح التحالف مصداقية لدى جزء من الرأي العام الذي فقد الثقة في أحزاب تتحول المعارضة بالنسبة إليها إلى مرحلة مؤقتة في انتظار فرصة المشاركة في الحكومة.
المطلوب إذن ليس أن يقول التحالف “لا” للحكومة في كل شيء، بل أن يثبت أن المعارضة يمكن أن تكون مسؤولة دون أن تكون تابعة، وبناءة دون أن تكون مهادنة، وجذرية دون أن تتحول إلى خطاب احتجاجي بلا أثر مؤسساتي.
ثمانية نواب أمام امتحان أكبر
لكن الرهان ليس سهلا، فامتلاك خطاب قوي خارج البرلمان لا يعني تلقائيا القدرة على تحويله إلى ممارسة مؤسساتية فعالة.
والثمانية نواب سيكونون أمام امتحان مزدوج: الحفاظ على وحدة التحالف من جهة، وتحويل هذه الوحدة إلى أداء برلماني مؤثر من جهة أخرى، وهذا يتطلب أكثر من تنسيق المواقف في التصويت.
يتطلب إعداداًتشريعيا، وأسئلة دقيقة، ولجان تقصي، ومراقبة للسياسات العمومية، ومواجهة بالأرقام والمعطيات، وربطا دائما بين ما يحدث داخل البرلمان وما يحدث خارجه، ما يعني حاجة هؤلاء الثمانية لفريق عمل باختصاصات متعددة يواكبه.
بمعنى آخر، لا يكفي أن تكون للمعارضة مواقف؛ عليها أن تنتج معرفة ومقترحات وبدائل.
المعارضة التي تبحث عن المجتمع لا عن الكراسي
ربما يكون التحدي الأكبر أمام تحالف اليسار هو ألا يتحول إلى مجموعة نيابية مغلقة على نفسها.
فالقوة السياسية الحقيقية لهذه المجموعة لن تأتي من عدد المقاعد فقط، وإنما من قدرتها على بناء علاقة جديدة مع المجتمع: مع النقابات، والحركات الاجتماعية، والفاعلين المدنيين، والنخب الفكرية، والشباب، وكل القوى التي تبحث عن تمثيل سياسي لمطالبها.
هنا يمكن للثمانية نواب أن يتحولوا إلى حلقة وصل بين البرلمان والشارع، لا إلى مجرد نواب ينتظرون دورهم في الجلسات.
وهذا هو المعنى الأعمق لتحويل التحالف لموقع المعارضة إلى مشروع سياسي: أن يصبح البرلمان إحدى ساحات الاشتباك الديمقراطي، وليس نهايته.
المنصوري أمام سؤال المعارضة قبل سؤال الأغلبية
أما فاطمة الزهراء المنصوري، فإنها تدخل المرحلة المقبلة وهي مطالبة ليس فقط بتشكيل أغلبية قادرة على تمرير قوانين الحكومة، وإنما بإقناع الرأي العام بأن هذه الحكومة تمتلك بالفعل مشروعا سياسيا ومسؤولية واضحة.
ومن هذه الزاوية، قد يكون وجود معارضة يسارية متماسكة مفيدا للحكومة نفسها، لأنه يفرض عليها تقديم إجابات أكثر وضوحا حول اختياراتها.
فالمعارضة الجادة لا تضعف الديمقراطية؛ بل تمنع الحكومة من التحول إلى إدارة سياسية بلا مساءلة.
ولهذا فإن لقاء المنصوري بتحالف اليسار يمكن أن يُقرأ باعتباره أول اختبار لطبيعة العلاقة بين الحكومة والمعارضة: هل نحن أمام حكومة مستعدة للنقاش السياسي الحقيقي، أم أمام حكومة تريد فقط ترتيب الأغلبية ثم إدارة البرلمان بالأرقام؟
المعركة الحقيقية تبدأ بعد اللقاء
في النهاية، لن يكون اللقاء مع رئيسة الحكومة المكلّفة هو الحدث الأهم، مهما كانت رمزيته.
الحدث الحقيقي سيبدأ بعده.
عندما يبدأ البرلمان في مناقشة قانون المالية، والسياسات الاجتماعية، والتعليم والصحة والتشغيل، والاقتصاد والريع، والحريات، والديمقراطية، والعلاقة بين المسؤولية والسلطة.
هناك سيتضح إن كان تحالف اليسار قد دخل البرلمان ليحتفظ بمقاعده الثمانية، أم دخل ليمنح هذه المقاعد معنى سياسيا يتجاوز حجمها العددي.
فثمانية نواب يمكن أن يكونوا مجرد ثمانية أصوات إضافية في قاعة البرلمان.
ويمكن، في المقابل، أن يصبحوا نواة معارضة سياسية حقيقية إذا استطاعوا أن يحولوا العدد المحدود إلى تأثير واسع، وأن يجعلوا من البرلمان ساحة لإعادة طرح السؤال الذي جرى تأجيله طويلاً: من يحكم؟ ومن يقرر؟ ومن يتحمل المسؤولية أمام المغاربة؟
وهنا تحديدا تبدأ قيمة المعارضة التي دشنها تحالف اليسار: ليست في أنها رفضت الحكومة، بل في أنها تريد أن تجعل الحكومة حكومة بالفعل، والبرلمان برلمانا بالفعل، والمعارضة معارضة بالفعل.
التحالف قبل النتائج.. والمعارضة بعد النتائج
اللافت في تجربة تحالف اليسار أنه لم يؤجل سؤال التحالفات إلى ما بعد إعلان النتائج، فقد دخل الانتخابات أصلاً باعتباره تحالفا سياسيا وانتخابيا معلنا بين الحزب الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار الديمقراطي، مستندا إلى ميثاق وبرنامج مشتركين، بما جعل طبيعة هذا التحالف جزءا من الصورة التي قدمها للناخبين قبل التوجه إلى صناديق الاقتراع. تحالف اليسار | الموقع الرسمي
وهذه النقطة تحمل دلالة سياسية تتجاوز تحالفا انتخابيا عابرا. فالناخب لا يصوت فقط على أسماء أو برامج، وإنما يصوت أيضاً على الموقع السياسي الذي ستحتله القوة التي يمنحها صوته بعد إعلان النتائج. لذلك فإن الوضوح المسبق بشأن التحالفات، سواء في الأغلبية أو المعارضة، يصبح جزءا من التعاقد السياسي مع الناخبين، لأنه يمنحه القدرة على معرفة ما الذي سيحدث لصوته بعد إغلاق صناديق الاقتراع.
ومن هذه الزاوية، فإن إعلان تحالف اليسار عن اختياره المعارضة بعد حصوله على ثمانية مقاعد يمكن قراءته باعتباره استمرارا لمنطق بدأ قبل الانتخابات، لا قرارا طارئا فرضته نتائجها.
وهنا تكمن إحدى أهم دلالات التجربة: أن التحالفات ليست فقط هندسة للأغلبية بعد الانتخابات، وإنما ينبغي أن تكون أيضا التزاما سياسيا واضحا أمام الناخب قبل الانتخابات.
فحين تعرف القوى السياسية مسبقا مع من ستتحالف، وتحت أي برنامج، وما هي حدود مشاركتها في الحكم أو المعارضة، يصبح الناخب أمام تعاقد أكثر وضوحا.
أما ترك كل الأبواب مفتوحة إلى ما بعد النتائج، فيجعل الإرادة التي عبر عنها الناخب قابلة لإعادة التأويل أثناء مفاوضات تشكيل الحكومة.
ولذلك فإن قيمة تجربة تحالف اليسار، في هذا الجانب تحديدا، لا ترتبط بعدد مقاعده الثمانية فقط، وإنما بالسؤال الذي تطرحه على الممارسة الحزبية المغربية: هل الانتخابات تفويض مسبق على أساس تعاقد واضح، أم مجرد تفويض مفتوح يسمح بإعادة ترتيب المواقع السياسية بعد ظهور النتائج؟
ومن هنا أيضاً يصبح لقاء التحالف مع فاطمة الزهراء المنصوري أكثر من مجرد محطة في مشاورات تشكيل الحكومة. إنه لقاء بين جهة أعلنت قبل النتائج تحالفها السياسي، ثم حافظت بعد النتائج على وضوح موقعها، وبين رئيسة حكومة مكلفة تبحث عن تشكيل أغلبية جديدة.
وبذلك يصبح وضوح الموقع السياسي نفسه جزءا من الشرعية الانتخابية: الناخب لا يمنح صوته لكي يعرف فقط من فاز، بل لكي يعرف أيضا أين سيقف من اختاره، ومع من، وعلى أي أساس.
وهذه ربما هي الخلاصة الأهم التي يضعها تحالف اليسار أمام المشهد السياسي بعد انتخابات 2026: الوفاء للناخب يبدأ قبل إعلان النتائج، لأن التحالف الذي يُعلن بعد النتائج ليس بالضرورة هو التحالف الذي صوّت عليه الناخب، أما التحالف المعلن مسبقا، فيجعل الانتخاب تعاقدا سياسيا أكثر وضوحا ومساءلة.





