
الغاز الأمريكي يطرق باب المغرب.. تنويع للإمدادات أم ارتهان جديد؟
بينما ترفع الحكومة شعار «السيادة الطاقية» وتقدم تنويع مصادر الطاقة باعتباره أحد مفاتيح الاستقلال الاقتصادي، يأتي قرار أمريكي جديد ليضع هذا الخطاب أمام اختبار مختلف.. فقد منحت وزارة الطاقة الأمريكية شركة «ساستين إنرجي» ترخيصاً طويل الأمد لتصدير الغاز الطبيعي المسال، بما يصل إلى 51.75 مليار قدم مكعب سنوياً، أي نحو 1.47 مليار متر مكعب، إلى أسواق مؤهلة، ويمتد الترخيص إلى 31 دجنبر 2050.
ترخيص أمريكي.. وحاجة مغربية تتسع
لا يعني الترخيص، في حد ذاته، وجود عقد بين الشركة الأمريكية والمغرب، ولا يضمن وصول هذه الكميات إلى المملكة، لكنه يكتسب دلالة خاصة في وقت يتجه فيه المغرب إلى توسيع حضور الغاز في إنتاج الكهرباء والصناعة، ما يجعل تأمين الإمدادات قضية تتجاوز السوق إلى الأمن الاقتصادي.
وتكشف الأرقام حجم المفارقة، فقد بلغت نسبة المغرب الطاقية 87.9% سنة 2025، بينما وصلت فاتورته الطاقية إلى 107.5 مليار درهم، ومع هذه الوضعية، فإن أي توسع في استهلاك وقود مستورد يعني ارتباطاً أكبر بتقلبات الأسعار الدولية وكلفة النقل وسعر العملة، وهي عناصر لا تبقى محصورة في حسابات الشركات، بل يمكن أن تجد طريقها إلى الاقتصاد والأسر.
حين يكبر الطلب أسرع من هامش المناورة
وفق خارطة الغاز الرسمية، تبلغ القدرة الحالية لمحطات الكهرباء المرتبطة بالغاز 834 ميغاواط، بينما يتضمن برنامج 2025-2030 إضافة نحو 4300 ميغاواط من القدرات الغازية. وفي الصناعة، يناهز الطلب الحالي مليار متر مكعب سنوياً، مع توقع ارتفاعه إلى ثلاثة مليارات، فيما قد يصل الطلب المرتبط بمحطات الكهرباء في المتوسط إلى نحو ملياري متر مكعب سنوياً.
وهذا يعني أن الغاز لن يكون مجرد مصدر إضافي للطاقة، بل جزءاً متنامياً من الدورة الاقتصادية، فكل توسع في استعماله يفرض في المقابل تأمين التخزين وإعادة التغويز والنقل، والأهم امتلاك قدرة تفاوضية تمنع تحول الحاجة المتزايدة إلى نقطة ضعف أمام المنتجين والأسواق العالمية.
الفاتورة لا تتوقف عند حدود الاستيراد
المشكلة ليست في شراء الغاز من أمريكا أو غيرها، وإنما في ما يترتب على ارتفاع الاعتماد عليه. فإذا أصبح الغاز ضرورياً لاستقرار شبكة الكهرباء ودعم الصناعة، فإن ارتفاع أسعاره أو تكاليف شحنه يمكن أن يرفع كلفة الإنتاج، ويضغط على تنافسية المقاولات، ثم ينتقل تدريجياً إلى أسعار الخدمات والسلع.
من هنا، يصبح تنويع مصادر الاستيراد خطوة مفيدة، لكنه لا يكفي وحده، فالدولة التي تستبدل مورداً بآخر من دون تقليص حاجتها الهيكلية إلى الطاقة المستوردة قد تكون قد وزعت المخاطر، لكنها لم تتخلص منها.
السيادة تبدأ حيث ينتهي الترخيص الأمريكي
الرهان الحقيقي إذن ليس على مصدر جديد للغاز، بل على قدرة المغرب على ألا تتحول حاجته المتزايدة إليه إلى قيد طويل الأمد، فالسيادة الطاقية لا تُقاس بعدد الدول التي يمكن الاستيراد منها، وإنما بحجم البدائل التي يملكها المغرب عندما تقفز الأسعار، أو تتعطل خطوط الإمداد، أو تتغير الحسابات الجيوسياسية.
واشنطن تستطيع أن تمنح ترخيصاً يمتد إلى 2050، والأسواق تستطيع أن تحدد السعر، لكن القرار الاستراتيجي يبقى في الرباط: هل سيكون الغاز جسراً مؤقتاً نحو اقتصاد أقل اعتماداً على الخارج، أم يتحول إلى طبقة جديدة من التبعية تحت عنوان «تنويع الإمدادات»؟




