
تدخل مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري مرحلة الحسم، وسط تسارع الترتيبات المرتبطة بإعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027، وتزايد التكهنات بشأن توزيع الحقائب الوزارية والأسماء المرشحة لشغل المناصب الحكومية.
لكن وراء سباق الإعلان عن التشكيلة، تبرز أسئلة سياسية تتجاوز عدد الوزراء وأسمائهم إلى طبيعة الحكومة المنتظرة، ومدى قدرتها على تقديم أجوبة عن الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية، واستعادة ثقة المواطنين في العمل السياسي والمؤسسات المنتخبة.
فهل نحن أمام حكومة جديدة بأدوات تدبير مختلفة، أم أمام إعادة ترتيب للمواقع الحزبية والوجوه التي اعتاد المغاربة رؤيتها في مواقع المسؤولية؟ وهل ستعكس التشكيلة المقبلة تحولا في معايير اختيار الوزراء، أم ستكرس منطق التوازنات الحزبية وتقاسم الحقائب؟ ثم ما الذي ستقدمه هذه الحكومة للمواطنين الذين ينتظرون تحسنا ملموسا في قدرتهم الشرائية، وفرص الشغل، وجودة الخدمات العمومية؟
هندسة الحكومة.. منطق الأغلبية أم منطق الكفاءة؟
أعلنت فاطمة الزهراء المنصوري، مساء الاثنين 12 أكتوبر، التوصل إلى أغلبية حكومية تضم أربعة أحزاب هي الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، بعد جولتين من المشاورات السياسية.
وبينما قدمت أحزاب الأغلبية نفسها باعتبارها مكونة لحكومة منسجمة وقوية، فإن السؤال المطروح اليوم يتعلق بكيفية ترجمة هذا الانسجام إلى هندسة حكومية واضحة: كم عدد القطاعات التي ستضمها الحكومة؟ وكيف ستوزع الحقائب بين الأحزاب الأربعة؟ وهل سيستند هذا التوزيع إلى وزن كل حزب داخل الأغلبية، أم إلى طبيعة الاختصاصات والرهانات التي تفرضها المرحلة؟
كما يطرح دخول الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية إلى الأغلبية أسئلة بشأن طبيعة التفاهمات التي أفضت إلى هذا التحالف، وحدود تأثير الخلفيات السياسية والمرجعيات المختلفة للأحزاب المشاركة في رسم البرنامج الحكومي.
فالهندسة الحكومية ليست مجرد عملية حسابية لتوزيع الوزارات، بل هي اختبار لقدرة رئيسة الحكومة المعينة على بناء فريق متجانس، وتحديد المسؤوليات بوضوح، ومنع تحول التعدد الحزبي إلى مصدر للتنازع حول النفوذ والاختصاصات.
من هم الوزراء الجدد؟ وهل تتغير معايير الاختيار؟
أكد بلاغ الأغلبية أن الأحزاب الأربعة ستقترح أسماء لتولي المسؤوليات الوزارية وفق معايير الكفاءة والحس السياسي والنزاهة والاستقامة.
غير أن هذه المعايير، على أهميتها، تفتح الباب أمام سؤال جوهري: كيف ستترجم إلى اختيارات فعلية؟ ومن سيضمن ألا تتحول إلى مجرد عبارات مألوفة في بلاغات تشكيل الحكومات؟
هل ستمنح الأولوية لوزراء يمتلكون الخبرة القطاعية والقدرة على اتخاذ القرار، أم ستظل الحسابات الحزبية والاعتبارات المرتبطة بالولاءات والتوازنات حاضرة بقوة؟ وهل ستتجه الحكومة إلى استقطاب كفاءات جديدة قادرة على تقديم حلول مبتكرة، أم ستكتفي بإعادة تدوير أسماء سبق لها تحمل المسؤولية، بصرف النظر عن حصيلة تجربتها؟
ويكتسب هذا النقاش أهمية خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالمديونية، والتشغيل، وتراجع القدرة الشرائية، وأزمة الخدمات الصحية والتعليمية. فالمواطن لا ينتظر فقط الإعلان عن أسماء الوزراء، بل يريد أن يعرف ما إذا كان هؤلاء قادرين على تغيير واقع يومي يتسم بارتفاع تكاليف المعيشة واتساع الفجوة بين الوعود السياسية والنتائج الملموسة.
عودة الوجوه المثيرة للجدل.. هل تحضر الحصيلة أم يغيب الحساب؟
من بين أكثر الأسئلة حساسية في انتظار التشكيلة الحكومية، احتمال عودة بعض الوجوه التي سبق لها تحمل المسؤولية، وتثير مشاركتها مجددا نقاشا في الرأي العام، سواء بسبب حصيلة تدبيرها السابقة أو بسبب الجدل السياسي المرتبط بأدائها.
فهل ستتعامل الأحزاب مع التوزير باعتباره امتدادا تلقائيا للمواقع التي راكمها بعض قيادييها، أم ستخضع الأسماء المقترحة لتقييم سياسي وأخلاقي يأخذ بعين الاعتبار ما أنجزته وما أخفقت فيه خلال تجاربها السابقة؟
إن العودة إلى المسؤولية الحكومية ليست في حد ذاتها موضع اعتراض، كما أن التجربة المتراكمة يمكن أن تكون مؤهلا مهما. لكن الإشكال يبدأ حين تتحول المناصب إلى مواقع شبه دائمة، وحين يغيب التقييم العلني للحصيلة، أو يصبح الانتماء الحزبي كافيا لتجاوز الأسئلة التي يطرحها المواطنون بشأن الأداء والمسؤولية.
ومن هنا، فإن الإعلان عن التشكيلة المقبلة سيكون مناسبة لمعرفة ما إذا كانت الأحزاب ستأخذ بعين الاعتبار تطلعات الرأي العام، أم ستتعامل مع الحقائب الوزارية باعتبارها شأنا داخليا لا يتجاوز حدود التفاوض بين القيادات.
فالحكومة، وإن كانت تتشكل وفق قواعد دستورية وسياسية محددة، تظل مسؤولة أمام البرلمان، كما أن شرعيتها السياسية لا تنفصل عن قدرتها على إقناع المواطنين بجدوى اختياراتها.
فوزي لقجع ووزارة المالية.. هل تحسم التسريبات ما لم يحسمه الإعلان الرسمي؟
يستمر اسم فوزي لقجع في التداول ضمن الترشيحات المرتبطة بحقيبة الاقتصاد والمالية، في وقت تتضارب فيه المعطيات بشأن التوزيع النهائي للقطاعات الوزارية.
وتتجاوز أهمية هذه الحقيبة مجرد معرفة الشخص الذي سيتولاها، بالنظر إلى أن وزارة الاقتصاد والمالية ستكون في قلب معادلة دقيقة تتعلق بتمويل السياسات العمومية، وضبط التوازنات المالية، وتدبير المديونية، وتحديد الأولويات الاجتماعية والاستثمارية.
فهل سيؤدي اختيار الوزير المكلف بالمالية إلى تغيير في التوجهات الاقتصادية والاجتماعية، أم سيقتصر الأمر على استمرار الاختيارات السابقة مع تعديلات في أساليب التنفيذ؟ وكيف ستوازن الحكومة بين متطلبات الاستقرار المالي والحاجة إلى تحسين القدرة الشرائية وتوسيع فرص الشغل وتقوية الخدمات العمومية؟
وإلى حين صدور الإعلان الرسمي، يظل اسم لقجع وغيره من الأسماء المتداولة في دائرة الترشيحات غير المؤكدة، ولا يمكن التعامل مع أي توزيع للحقائب باعتباره محسوما قبل الكشف عن التشكيلة النهائية.
مشروع قانون المالية.. أول امتحان قبل انطلاق العمل الحكومي
يمنح الضغط الزمني المرتبط بمشروع قانون المالية لسنة 2027 تشكيل الحكومة بعدا يتجاوز الاستحقاق السياسي. فالأجل القانوني لإيداع المشروع لدى مكتب مجلس النواب يحل في 20 أكتوبر، ما يجعل الأيام الحالية حاسمة في استكمال الترتيبات الحكومية والمؤسساتية.
وكان الملك محمد السادس قد استقبل، الأربعاء 14 أكتوبر، رئيسة الحكومة المكلفة فاطمة الزهراء المنصوري، التي أطلعته على المراحل التي قطعها مسار تشكيل الحكومة. وأكد بلاغ الديوان الملكي ضرورة التعبئة الشاملة والأداء الحكومي الجاد والمسؤول.
وفي حال تأكد انعقاد مجلس وزاري يوم السبت 17 أكتوبر، فإن مشروع قانون المالية سيكون من أبرز الملفات المطروحة على جدول الأعمال، وفق المعطيات المتداولة بشأن الترتيبات المرتقبة.
لكن الرهان لا يتعلق فقط باحترام الآجال الدستورية، بل بمضمون المشروع نفسه: هل سيقدم اختيارات جديدة في توزيع الموارد العمومية؟ وهل سيعطي الأولوية للتشغيل والصحة والتعليم والحماية الاجتماعية؟ أم سيواصل النهج نفسه، في انتظار أن تظهر آثار النمو الاقتصادي على الحياة اليومية للأسر المغربية؟
إن أول وثيقة مالية للحكومة الجديدة ستكون مؤشرا مبكرا على طبيعة توجهاتها، وعلى المسافة الفاصلة بين الخطاب السياسي والقرارات التي ستترجم إلى أرقام واعتمادات وإجراءات قابلة للتقييم.
حكومة جديدة أم استمرار للسياسات نفسها؟
يتزامن اقتراب الإعلان عن الحكومة مع استكمال جزء من هندسة المؤسسات المرتبطة بالولاية التشريعية الجديدة، بعد انتخاب أحمد التويزي، عن حزب الأصالة والمعاصرة، رئيسا لمجلس النواب يوم الثلاثاء 13 أكتوبر، بحصوله على 220 صوتا من أصل 369، مقابل 59 صوتا لمنافسه إدريس الأزمي الإدريسي عن حزب العدالة والتنمية.
وبذلك، تتجه المؤسسات المنتخبة نحو استكمال ترتيب مواقعها، فيما يبقى الاختبار الأهم مرتبطا بما ستقدمه الحكومة من برنامج وأولويات وآليات للمحاسبة.
فالمغاربة لا يحتاجون إلى حكومة مكتملة الأسماء فقط، بل إلى حكومة واضحة المسؤوليات، قابلة للمساءلة، وقادرة على تقديم نتائج يمكن قياسها. كما أن الحديث عن الكفاءة والنزاهة لا يكتمل دون ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتوضيح المعايير التي جرى اعتمادها في اختيار الوزراء، وتحديد الالتزامات التي ستخضع لتقييم البرلمان والرأي العام.
في المحصلة، لا تختزل الأسئلة المحيطة بحكومة فاطمة الزهراء المنصوري في هوية الوزراء أو الأحزاب التي ستحصل على الحقائب، بل تمتد إلى طبيعة السلطة التنفيذية التي ستنبثق عن هذه الأغلبية، وحدود استقلال قرارها، وقدرتها على الانتقال من تدبير التوازنات السياسية إلى معالجة المطالب الاجتماعية والاقتصادية.
فهل ستكون هذه الحكومة بداية مرحلة جديدة في تدبير الشأن العام، أم مجرد إعادة توزيع للمواقع داخل المشهد الحزبي نفسه؟ الجواب لن تحدده الأسماء المعلنة وحدها، بل ستكشف عنه اختياراتها الأولى، وفي مقدمتها مشروع قانون المالية لسنة 2027، ثم قدرتها على تحويل الوعود إلى نتائج ملموسة.





