الرئسيةسياسة

حفيظ: الوزير المصبوغ وإذلال الأحزاب

اعتبر الفاعل السياسي والأستاذ الجامعي محمد حفيظ أن تعيين وزير الصحة والحماية الاجتماعية باسم حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، رغم غياب أي علاقة حزبية معروفة له، يكشف وجهاً من أوجه الأزمة العميقة التي تعيشها الأحزاب السياسية المغربية، حيث لم يعد الأمر يقتصر على التنازل عن استقلالية القرار السياسي، بل امتد إلى التفريط في أبسط الحقوق التنظيمية، وفي مقدمتها تحديد من ينتمي إلى الحزب ومن يمثله داخل الحكومة.

وأوضح حفيظ، في تدوينة على صفحته على الفايسبوك، أن الوزير المعني لم يكن اسما متداولا داخل الحزب أو في المشهد السياسي، ولم يُعرف عنه حضور الاجتماعات الحزبية أو المشاركة في الأنشطة التنظيمية والسياسية، قبل أن يصبح، بين عشية وضحاها، محسوبا على الاتحاد الاشتراكي ويتولى حقيبة وزارية باسمه.

الأحزاب تتحول إلى واجهات للتوزير

ويرى حفيظ أن هذه الواقعة ليست معزولة عن ممارسة أصبحت تتكرر مع تشكيل الحكومات، إذ بات ممكنا، وفق تعبيره، «صباغة» أي شخص بلون حزبي معين، أو إعادة صباغته بلون آخر، كلما اقتضت حسابات التشكيل الحكومي ذلك، دون أن تجد القيادات الحزبية حرجاً في القبول بهذه الترتيبات.

ويعتبر أن هذا السلوك يكشف انتقال الوصاية من مستوى القرار السياسي إلى مستوى القرار التنظيمي، بعدما لم تعد بعض الأحزاب، بحسب قراءته، تملك استقلالية تحديد مواقفها فحسب، بل أصبحت عاجزة حتى عن التحكم في بطائق الانخراط وشروط التمثيل الحزبي.

وبذلك، تتحول الأحزاب من مؤسسات يفترض أن تنتج القرار السياسي وتختار ممثليها وفق مرجعياتها وقوانينها، إلى واجهات تمنح الغطاء الحزبي لأسماء يجري اختيارها في سياق التفاوض على الحقائب الحكومية.

الكفاءة لا تبرر استعارة الانتماء الحزبي

وشدد حفيظ على أن الإشكال لا يتعلق بإنكار المؤهلات العلمية أو التجربة المهنية التي يتمتع بها الوزير، وإنما بالتساؤل عن جدوى هذه الكفاءة إذا كان صاحبها يقبل بأن يُقدَّم ممثلا لحزب لا تربطه به، وفق المعطيات التي أوردها، أي صلة سياسية أو تنظيمية معروفة.

وتساءل عن القيمة السياسية لمسار أكاديمي ومهني، مهما بلغت أهميته، عندما يقبل صاحبه أن يتحول إلى شخص «ينام على حال ويستيقظ على لون»، في إشارة إلى اكتساب صفة حزبية في اللحظة التي تصبح فيها شرطاً للوصول إلى المنصب الوزاري.

وفي هذا السياق، يطرح حفيظ بديلا واضحا: إذا كانت الكفاءة المهنية هي أساس الاختيار، فلماذا لا يُقدم صاحبها بصفته تكنوقراطيا، بدلا من إلحاقه بحزب لا يعكس مساره المعروف انتماء سياسيا إليه؟

مسؤولية القيادات والموزرين معا

ولا يحصر حفيظ المسؤولية في القيادات الحزبية التي تقبل بهذه الممارسات، بل يحمل الأشخاص الذين يقبلون التلون الحزبي بدورهم نصيبا منها، لأنهم يوافقون على التحول إلى واجهة حزبية تتيح لهم الوصول إلى المسؤولية الحكومية.

ويعتبر أن قبول الحزب بمن يُحسب عليه دون ارتباط تنظيمي واضح يعني، في الوقت نفسه، قبوله بأن تُنسب إليه مواقف وقرارات قد لا تكون صادرة عن مؤسساته، وهو ما يضعف مصداقيته ويجعل هويته السياسية عرضة للتوظيف وفق المصالح الظرفية.

 إهانة الأحزاب والوزراء معاً

يخلص محمد حفيظ إلى أن قضية «الوزير المصبوغ» ليست مجرد جدل حول تعيين وزير للصحة، بل مؤشر على أزمة أعمق تمس استقلالية الأحزاب وكرامة العمل السياسي.

فحين تفقد الأحزاب حقها في اختيار ممثليها، وتصبح الصفة الحزبية قابلة للمنح وفق حسابات التوزير، فإنها تفقد جزءا أساسيا من وظيفتها السياسية والتنظيمية.

وبالمقابل، فإن قبول الوزير بأن يُقدم بلون حزبي لا يعكس مساره المعروف يطرح سؤالا حول استقلالية المسؤولية الحكومية نفسها.

إنها، في نظر حفيظ، معادلة تختزل جوهر الأزمة: إهانة للأحزاب حين تُنتزع منها سلطة الاختيار، وإهانة للوزراء حين يقبلون أن يتحولوا إلى أسماء تُصبغ حزبيا لتستكمل بها التشكيلات الحكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى