
دخل قطاع الصيدلة في المغرب مرحلة جديدة من الجدل، بعدما دخل المرسوم الحكومي رقم 2.25.631 المتعلق بتحديد أسعار بيع الأدوية حيز التنفيذ، حاملا معه تغييرات واسعة في قواعد التسعير وآليات مراجعة الأسعار.
الضغط على أسعار الأدوية قد تكون له كلفة أخرى
وبينما تقدم الحكومة الخطوة باعتبارها إجراء يروم تخفيف كلفة العلاج على المواطنين ودعم استدامة منظومة الحماية الاجتماعية، تنظر إليها الهيئات المهنية من زاوية مختلفة، محذرة من أن الضغط على أسعار الأدوية قد تكون له كلفة أخرى تمس استقرار السوق واستمرارية تزويده.
ويضع هذا الخلاف قطاع الأدوية أمام معادلة دقيقة: كيف يمكن خفض الأسعار وتوسيع قدرة المرضى على الولوج إلى العلاج، من دون أن يؤدي ذلك إلى تقليص جاذبية السوق بالنسبة إلى المصنعين والموزعين، أو دفع بعض الأدوية، خصوصاً منخفضة الثمن، إلى الاختفاء من الصيدليات؟ وهي معادلة تزداد حساسية في ظل حديث المهنيين عن تراجع حصة الإنتاج الوطني، وما يعتبرونه تصاعداً في ظاهرة انقطاع بعض الأدوية.
إعادة ضبط منظومة أسعار الأدوية بما ينسجم مع أهداف التغطية الصحية
ويأتي المرسوم الجديد في سياق تسعى فيه السلطات إلى إعادة ضبط منظومة أسعار الأدوية بما ينسجم مع أهداف التغطية الصحية، عبر تقليص ما يتحمله المؤمنون من مصاريف، وكذلك الحد من النفقات التي تتحملها صناديق الحماية الاجتماعية.
وترى الحكومة أن مراجعة الأسعار لا تقتصر على تخفيف العبء عن المرضى، وإنما يمكن أن تساهم أيضا في رفع تنافسية الصناعة الدوائية الوطنية وتعزيز قدرة المغرب على تأمين حاجياته من الأدوية، بما يخدم هدف السيادة الدوائية.
وفي صلب الإصلاح، أعاد المرسوم ترتيب قواعد تحديد أسعار الأدوية المصنعة محليا والمستوردة، كما وضع آلية دورية لمراجعة أسعار الأدوية الأصلية، حيث ينص على مراجعتها مرة كل ثلاث سنوات، وفق معايير ترتبط بمستوى سعر الدواء والأسعار المعتمدة في مجموعة من البلدان المرجعية.
تطبيق تخفيضات على الأدوية التي تترتب عنها كلفة مالية مرتفعة
وبالنسبة إلى الأدوية التي يتجاوز سعر مصنعها، قبل احتساب الرسوم، 300 درهم، يعتمد في تحديد السعر أدنى سعر مصنع مسجل في البلدان المرجعية، بينما يتم اعتماد متوسط أسعار المصنع في تلك البلدان عندما يكون سعر الدواء في المغرب في حدود 300 درهم أو أقل.
كما فتح المرسوم الباب أمام إبرام اتفاقيات مع المؤسسات الصيدلية الصناعية من أجل تطبيق تخفيضات على الأدوية التي تترتب عنها كلفة مالية مرتفعة على منظومة الحماية الاجتماعية.
وستحدد عتبة هذا الأثر المالي بقرار مشترك بين قطاعي الصحة والميزانية، بما يسمح باستهداف الأدوية التي تمثل نفقاتها عبئاً كبيراً على الصناديق.
وشملت المقتضيات الجديدة كذلك طريقة احتساب أسعار الأدوية المستوردة، إذ أضاف المرسوم نسبة 2.5 في المئة إلى سعر المصنع، باستثناء الرسوم، لتغطية مصاريف الإيصال والرسوم الجمركية.
كما ربط تحويل أسعار المصنع من العملات الأجنبية إلى الدرهم بمتوسط أسعار الصرف التي يعلنها بنك المغرب خلال الأشهر الثلاثة التي تسبق الشهر الذي يتم خلاله تحديد السعر.
الرؤية الحكومية للإصلاح تصطدم باعتراضات قوية من جانب المهنيين
ولم يغفل النص الحالات الاستثنائية التي يمكن أن تعرفها السوق، إذ منح السلطات إمكانية اعتماد تدابير مؤقتة عند حدوث طوارئ صحية أو تسجيل نقص حاد في مخزون دواء معين أو نفاده،
أو عندما يتعذر على المؤسسة صاحبة الإذن بالتسويق توفير الكميات الضرورية لتلبية حاجيات السوق الوطنية. وتُتخذ هذه الإجراءات، وفق المرسوم، لمدة محددة وبقرار مشترك بين قطاعي الصحة والميزانية.
غير أن الرؤية الحكومية للإصلاح تصطدم باعتراضات قوية من جانب المهنيين، الذين يرون أن المرسوم أُقر من دون الأخذ بما يكفي بملاحظاتهم واقتراحاتهم. وتتهم كونفدرالية نقابة الصيادلة السلطات باعتماد مقاربة اعتبرتها قسرية، معتبرة أن مسار إعداد النص لم يحترم، من وجهة نظرها، مبدأ التشاور مع المهنيين.
التعديلات الجديدة قد تكون لها انعكاسات مباشرة على توفر الأدوية
وتقول الكونفدرالية إن التعديلات الجديدة قد تكون لها انعكاسات مباشرة على توفر الأدوية، خصوصا تلك التي تباع بأسعار منخفضة، محذرة من احتمال أن يؤدي الضغط على هوامش الربح إلى دفع بعض الشركات إلى تقليص إنتاج أدوية معينة أو سحبها من السوق عندما تصبح كلفة تصنيعها وتسويقها غير مجدية اقتصادياً.
ولا تقف المخاوف المهنية عند حدود أسعار الأدوية، بل تمتد إلى مفهوم الأمن والسيادة الدوائية، فبحسب المهنيين، تراجعت مساهمة الإنتاج الوطني في تغطية حاجيات السوق من نحو 80 في المئة إلى قرابة 50 في المئة، وهو ما يجعل أي اضطراب في العلاقة بين الأسعار وتكاليف الإنتاج والتوزيع قضية تتجاوز مصالح الفاعلين الاقتصاديين لتلامس قدرة السوق الوطنية على ضمان الإمدادات المنتظمة.
وهكذا، لا يتعلق النقاش الدائر حول المرسوم الجديد بمجرد أرقام وهوامش وأسعار مرجعية، وإنما بصراع بين أولويتين متداخلتين: أولوية جعل الدواء أقل كلفة وأكثر قابلية للولوج بالنسبة إلى المواطنين، وأولوية الحفاظ على سوق دوائية قادرة على الإنتاج والاستثمار وتوفير الأدوية بشكل مستمر.
وبينما تراهن الحكومة على أن إعادة تنظيم التسعير ستفتح المجال أمام أسعار أكثر ملاءمة وتعزز استدامة التغطية الصحية، يخشى المهنيون أن تتحول سياسة خفض الأسعار، إذا لم تواكبها ضمانات اقتصادية وإنتاجية، إلى عامل يؤدي على نحوٍ مفارق، إلى نقص بعض الأدوية وتقليص الإنتاج المحلي. وبين الرهانين يبقى السؤال الأساسي مطروحاً: هل ينجح الإصلاح في جعل الدواء أرخص من دون أن يصبح أقل توفراً؟





