
لم يعد التنافس بين حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة يقتصر على البرامج والشعارات الانتخابية، بل انتقل إلى واحدة من أكثر ساحات الصراع حساسية: استقطاب المنتخبين والمرشحين والوجوه السياسية، في معركة تبدو مفتوحة على كل الاحتمالات قبل الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر المقبل.
فبعد التصريحات الحادة التي صدرت عن رشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب والقيادي في حزب التجمع الوطني للأحرار، والتي انتقد فيها ما اعتبره لجوءاً إلى أساليب «الترغيب والترهيب» لاستمالة المنتخبين، جاء رد حزب الأصالة والمعاصرة ليؤكد أن الخلاف تجاوز حدود الانتقاد السياسي العابر، ودخل مرحلة تبادل الاتهامات حول قواعد اللعبة الانتخابية نفسها.
البام يرفض اتهامات الأحرار
حزب الأصالة والمعاصرة لم يتعامل مع تصريحات الأحرار باعتبارها مجرد ملاحظات انتخابية، بل رد عليها بلهجة سياسية واضحة، معتبراً أن إقحام اسمه في اتهامات تتعلق بالضغط والإكراه واستمالة المنتخبين يفتقد إلى الأساس.
وأكد الحزب، في بيان صادر عن مكتبه السياسي، أن الانضمام إلى صفوفه لا يتم إلا عبر الاختيار الحر، نافياً بشكل قاطع ممارسة أي ضغط على المنتخبين أو المواطنين. كما شدد على أن آلية استقطاب الكفاءات والطاقات تقوم، بحسب روايته، على الحوار والإقناع، وليس على الإكراه أو الترهيب.
لكن اللافت في الرد لم يكن فقط نفي الاتهامات، وإنما إعادة فتح ذاكرة الاستقطاب السياسي نفسها. فالحزب ذكّر بأن التجمع الوطني للأحرار سبق له، خلال انتخابات 2021، أن رشح عدداً من البرلمانيين الذين كانوا ينتمون إلى أحزاب سياسية أخرى، بينهم ستة كانوا محسوبين على الأصالة والمعاصرة، فضلاً عن منتخبين آخرين على مستوى الجماعات الترابية ومجلس المستشارين.
وبذلك، اختار البام نقل النقاش من سؤال: «من يستقطب؟» إلى سؤال أكثر إحراجاً: هل أصبح انتقال المنتخبين بين الأحزاب ممارسة مرفوضة فقط عندما يكون المستفيد منها هو الخصم؟
الطالبي العلمي يرفع سقف المواجهة
في المقابل، جاءت مداخلة رشيد الطالبي العلمي لتكشف حجم القلق الذي بات يرافق ظاهرة انتقال الوجوه الانتخابية بين الأحزاب، خصوصاً داخل التجمع الوطني للأحرار الذي يستعد لخوض الانتخابات المقبلة من موقع قيادة الأغلبية الحكومية.
فالانتقادات التي وجهها الطالبي العلمي، والتي وردت في تسجيل صوتي من اجتماع داخلي للحزب، لم تكن مجرد اعتراض على انتقال بعض المنتخبين، وإنما حملت في طياتها تشكيكاً في طبيعة الأساليب المعتمدة لاستقطابهم.
والأهم أن حديثه جاء في لحظة سياسية شديدة الحساسية، إذ يتزامن مع التحركات المتسارعة لإعادة ترتيب الخريطة الانتخابية، ومع بروز أسماء وازنة انتقلت إلى صفوف الأصالة والمعاصرة، وفي مقدمتها فوزي لقجع، الذي بات أحد أبرز الأسماء الجديدة داخل الحزب.
ومن هنا يمكن فهم الإشارات الساخرة التي حملتها مداخلة الطالبي العلمي، حين تحدث عن «إبداع» سياسي وعن شخصية شبيهة بـ«المهدي المنتظر» تقدم نموذجاً جديداً للعمل الحزبي، في خطاب بدا واضحاً أنه يتجاوز الأشخاص إلى انتقاد طريقة صناعة القوة الانتخابية واستيراد الرموز من خارج البنية الحزبية التقليدية.
من «الميركاتو» الرياضي إلى الميركاتو السياسي
اللافت في خطاب الطالبي العلمي هو توظيفه قاموس كرة القدم في توصيف التحولات السياسية. فالإشارة إلى استقدام حكيمي ولاعبين من الخارج، وربط ذلك بإمكانية «استقدام سياسيين من الخارج»، تحمل أكثر من مجرد سخرية عابرة.
إنها تعكس، في العمق، تحوّل الانتخابات إلى ما يشبه سوقاً مفتوحة للمرشحين والمنتخبين، حيث لم تعد الأحزاب تعتمد فقط على بناء الأطر من داخل تنظيماتها، وإنما باتت تبحث عن أسماء تمتلك رصيداً انتخابياً أو حضوراً اجتماعياً أو قدرة على التأثير داخل الدوائر.
وهنا تكمن المفارقة: الأحزاب التي تتنافس على استقطاب الكفاءات نفسها قد تجد نفسها أمام سؤال يتعلق بجدوى العمل الحزبي والتنظيمي. فإذا كان الفوز الانتخابي يمكن تعزيزه باستقدام شخصيات جاهزة وذات نفوذ انتخابي، فما الذي يبقى من وظيفة الحزب في إنتاج النخب وتكوينها وتأطيرها؟
صراع على المرشحين أم صراع على موازين القوة؟
ما يجري بين الأحرار والبام لا ينبغي اختزاله في خلاف حول أسماء انتقلت من حزب إلى آخر. المسألة أعمق من ذلك؛ إنها تعكس إعادة تشكيل مبكرة لموازين القوى داخل الخريطة الانتخابية المقبلة.
فالمنتخب الذي ينتقل من حزب إلى آخر لا ينقل معه عضويته فقط، بل قد ينقل شبكة من العلاقات المحلية، ورصيداً انتخابياً، وامتدادات داخل المجالس المنتخبة، وقدرة على التأثير في اتجاهات التصويت داخل دائرة بأكملها.
ولهذا أصبحت عملية الاستقطاب جزءاً من المعركة الانتخابية قبل أن تبدأ الحملة الرسمية أصلاً.
وفي هذه المعادلة، يبدو أن الأصالة والمعاصرة يسعى إلى توسيع دائرة نفوذه عبر استقطاب أسماء وازنة، بينما يحاول التجمع الوطني للأحرار حماية شبكته الانتخابية ومنع انتقال المزيد من المنتخبين والمرشحين إلى منافسه المباشر.
معركة تتجاوز الحزبين
الخطير في هذا السجال أن يتحول التنافس على المرشحين إلى معيار جديد لقياس القوة السياسية، بدل أن يكون التنافس قائماً أساساً على البرامج والاختيارات والقدرة على إقناع الناخبين.
فحين تصبح قيمة الحزب مرتبطة بعدد الأسماء التي نجح في استقطابها، وحين يتحول انتقال المنتخبين إلى مادة للصراع والاتهامات المتبادلة، فإن الانتخابات قد تنزلق من منافسة بين مشاريع سياسية إلى منافسة بين شبكات انتخابية وأرصدة شخصية.
وفي المقابل، فإن حرية الانتماء السياسي والانتقال بين الأحزاب تظل حقاً سياسياً لا يمكن مصادرته، ما دام يتم في إطار القانون والإرادة الحرة. لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول هذه الحرية إلى واجهة لممارسات غير شفافة أو لاستعمال النفوذ والامتيازات أو الضغوط، وهي اتهامات تحتاج، في كل الحالات، إلى أدلة ومعطيات لا إلى مجرد تبادل البيانات والتصريحات.
الانتخابات بدأت قبل صناديق الاقتراع
المؤكد أن المعركة الانتخابية بين الأحرار والبام بدأت عملياً قبل موعد الاقتراع. وما نشهده اليوم من تبادل للاتهامات والردود ليس سوى الوجه العلني لصراع أوسع على من يملك القدرة على التحكم في الخريطة الانتخابية المقبلة.
وبينما يدافع البام عن حقه في استقطاب كل من يختار مشروعه السياسي، يرفع الأحرار سقف التحذير من أساليب يعتبرها غير سليمة في المنافسة.
وبذلك، قد تكون قضية الاستقطاب مجرد عنوان ظاهر لمعركة أكبر: معركة من سيرث النفوذ الانتخابي، ومن سيعيد رسم خريطة التحالفات والمرشحين والدوائر قبل أن يتوجه الناخبون إلى صناديق الاقتراع؟
وفي انتظار أن تحسم صناديق 23 شتنبر هذه المنافسة، يبدو أن «الميركاتو السياسي» المغربي لم يصل بعد إلى ذروة سخونته.





