
عاد ملف سبتة ومليلية إلى واجهة العلاقات المغربية الإسبانية، بعد أن تداخلت في غضون أيام مواقف صريحة لوزير العدل عبد اللطيف وهبي، وإشارات ذات حمولة تاريخية ودينية لوزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق، مع ردود رسمية متتالية من مدريد تؤكد تمسكها بسيادتها على المدينتين.
وبينما اختار الجانب المغربي، في خطابه الرسمي، الجمع بين التأكيد على الحقوق التاريخية والجغرافية واستحضار الذاكرة الدينية للمغرب، سارعت الحكومة الإسبانية إلى وضع حدود واضحة لأي قراءة يمكن أن توحي بتغيير موقفها التقليدي من المدينتين.
وهكذا، بدا أن سبتة لم تعد مجرد ملف مؤجل في العلاقات الثنائية، بل عادت لتظهر في الخطاب السياسي والديني، بالتزامن مع توترات مرتبطة بالهجرة والحدود ومستقبل العلاقة بين الرباط ومدريد.
وهبي: «أراض مغربية» والحوار هو الطريق
كان وزير العدل عبد اللطيف وهبي قد أعاد، خلال تصريحات إعلامية متقاربة، التأكيد على الموقف المغربي من سبتة ومليلية، واصفا المدينتين بأنهما أراض مغربية، ومشددا على أن للمغرب حقا تاريخيا وجغرافيا فيهما.
لكن وهبي لم يطرح المسألة باعتبارها مواجهة مباشرة مع إسبانيا، إذ شدد في الوقت نفسه على أن الحوار يظل السبيل لمعالجة هذا الملف.
وهو موقف يعكس، في جوهره، المعادلة التي تحاول الرباط الحفاظ عليها: عدم التخلي عن المطالبة بالمدينتين، مع إبقاء القضية داخل إطار العلاقات السياسية والدبلوماسية مع مدريد.
غير أن تصريحات وهبي لم تمر من دون رد إسباني، فقد سارعت الخارجية الإسبانية، في 21 غشت، إلى التأكيد أن سبتة ومليلية تقعان تحت السيادة الإسبانية، وأنهما جزء من الوحدة الترابية لإسبانيا والاتحاد الأوروبي.
التوفيق ينقل سبتة من الجغرافيا إلى الذاكرة
بعد أيام قليلة، ظهرت سبتة في خطاب أحمد التوفيق، لكن هذه المرة في سياق مختلف وأكثر رمزية.
فخلال الحفل الديني الذي ترأسه الملك محمد السادس بالقصر الملكي بالرباط بمناسبة إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف، استحضر وزير الأوقاف تاريخ المدينة العلمي والديني، مشيرا إلى أن القاضي عياض، صاحب كتاب «الشفا بتعريف حقوق المصطفى»، وأبا العباس العزفي، صاحب كتاب «الدر المنظم في مولد النبي المعظم»، ينحدران من سبتة.
ظاهريا، تبدو الإشارة امتدادا طبيعيا لحديث الوزير عن إسهام علماء المغرب في التراث النبوي. لكن اختيار سبتة تحديدا، وفي هذا الظرف السياسي، منح الإشارة دلالة أوسع من مجرد استحضار شخصية علمية أو محطة في تاريخ الثقافة المغربية.
الأكثر لفتا أن التوفيق ربط بين التراث الديني المغربي وكتاب «دلائل الخيرات» للإمام الجزولي، مستعيدا الذاكرة التاريخية التي ارتبط فيها هذا الكتاب بالتعبئة الدينية للمغاربة في مراحل شهدت صراعا حول مدن وأراض محتلة على الساحل الأطلسي.
وهنا تبرز أهمية السياق. فالإشارة إلى سبتة لم ترد في ندوة تاريخية أو درس أكاديمي، وإنما في كلمة رسمية أمام الملك محمد السادس، وفي مناسبة دينية ترأسها العاهل المغربي بصفته أمير المؤمنين.
من الذاكرة الدينية إلى «تحرير الأراضي المحتلة»
تكتسب هذه الإشارة وزناً إضافياً عند وضعها إلى جانب الرسالة الملكية الموجهة إلى المجلس العلمي الأعلى في شتنبر 2025، والتي استحضرت مكانة «دلائل الخيرات» في التعبئة الدينية للمغاربة، وربطتها تاريخياً بمراحل النضال من أجل «تحرير الأراضي المحتلة».
وبذلك، بدا خطاب التوفيق وكأنه يعيد تركيب ثلاث طبقات في جملة واحدة: سبتة باعتبارها مدينة ذات حضور عميق في التاريخ العلمي المغربي، والذاكرة الدينية باعتبارها جزءاً من تشكيل الهوية الوطنية، ثم مفهوم «تحرير الأراضي المحتلة» بوصفه جزءاً من الذاكرة التاريخية للمغرب.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن الرباط بصدد الانتقال إلى موقف جديد بشأن المدينتين، بقدر ما يكشف عن عودة القضية إلى مساحة أوسع من الخطاب الرسمي، بعدما ظلت لسنوات محكومة بمنطق التدبير الدبلوماسي الهادئ.
مدريد ترد بلهجة محسومة
لم تتأخر مدريد في التقاط الرسالة السياسية الكامنة خلف هذه الإشارات.
وردت الحكومة الإسبانية، الثلاثاء، على كلمة التوفيق بعبارات شديدة الوضوح، إذ قالت المتحدثة باسم الحكومة، إلما سايز، إن «سبتة ومليلية إسبانيتان»، مضيفة أنهما تمثلان «حدودنا الجنوبية، وكذلك حدود أوروبا».
العبارة الإسبانية لا تترك مجالا كبيرا للتأويل: مدريد لا تنظر إلى المدينتين باعتبارهما ملفا سياديا مفتوحا للتفاوض مع الرباط، وإنما باعتبارهما جزءا من أراضيها وحدودها، وبالتالي جزءا من الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.
وبهذا الرد، انتقل النقاش من الاستحضار المغربي للبعد التاريخي والديني إلى صياغة إسبانية ترتكز على السيادة و”القانون” والحدود الأوروبية.
ملف قديم يعود في توقيت جديد
تكمن أهمية التطورات الأخيرة في أنها لا تأتي في فراغ سياسي. فملف سبتة ومليلية عاد إلى الواجهة بالتزامن مع تصاعد النقاش حول الهجرة والحدود، ومع أحداث عبور جماعي أعادت المدينتين إلى صدارة الاهتمام السياسي والإعلامي في البلدين.
كما أن العلاقات المغربية الإسبانية، رغم التحسن الكبير الذي شهدته خلال السنوات الأخيرة، لا تزال تحمل ملفات حساسة يمكن أن تعيد اختبار حدود التفاهم بين الطرفين. وتأتي قضية المدينتين في مقدمة هذه الملفات، إلى جانب الهجرة والأمن والتعاون الحدودي.
وفي هذا السياق، تبدو تصريحات وهبي مختلفة في أدواتها عن إشارات التوفيق، لكنها تلتقي معها عند نقطة أساسية: إبقاء الذاكرة التاريخية والحقوق المغربية بشأن سبتة ومليلية حاضرة في الخطاب الرسمي.
أما مدريد، فتبدو حريصة على منع تحول هذه الإشارات إلى نقاش سياسي حول السيادة، ولذلك جاء ردها سريعا ومباشرا، مؤكدا أن المدينتين، في نظرها، ليستا موضوعا قابلا لإعادة التفاوض.
بين التهدئة الدبلوماسية وحدود السيادة
المفارقة أن المغرب وإسبانيا يبدوان، في الوقت نفسه، حريصين على استمرار التعاون بينهما، خصوصا في ملفات الأمن والهجرة والتجارة، لكن قضية سبتة ومليلية تظل قادرة على كشف الحدود التي يتوقف عندها هذا التقارب.
فالرباط تتمسك بموقفها التاريخي، لكنها تقول إن الحوار هو السبيل لمعالجة القضية، بينما ترفض مدريد إدخال مسألة السيادة على المدينتين في جدول التفاوض أصلا.
وبين الموقفين، تبدو سبتة ومليلية أقرب إلى «خط أحمر» متبادل: المغرب لا يتخلى عن المطالبة التاريخية، وإسبانيا لا تقبل بتحويلها إلى موضوع تفاوضي.
لذلك، فإن عودة سبتة إلى الخطاب الرسمي المغربي، مقرونة بالرد الإسباني الحاسم، قد لا تعني بالضرورة أزمة جديدة بين البلدين، لكنها تكشف أن ملف المدينتين لم يغادر الذاكرة السياسية، وأن هدوءه الدبلوماسي لا يعني اختفاءه من أجندة العلاقات المغربية الإسبانية.
وفي كل مرة تعود فيها سبتة ومليلية إلى الواجهة، يتضح أن الخلاف حولهما لا يتعلق بالجغرافيا وحدها، بل بتعارض روايتين تاريخيتين وسياسيتين: واحدة تستند إلى الذاكرة والامتداد التاريخي، وأخرى إلى السيادة القائمة والحدود الأوروبية. وهذه الثنائية هي التي تجعل الملف قابلا للعودة إلى الواجهة كلما تغيرت الظروف السياسية المحيطة به.





