
كيف صنع المونديال 3.5 مليارات دولار؟
عندما أطلقت صافرة نهاية مونديال 2026، لم تكن نيويورك ونيوجيرسي قد خرجتا بكأس العالم، لكنهما خرجتا بحصيلة اقتصادية ضخمة: 3.5 مليارات دولار من النشاط الاقتصادي، وفق دراسة أعدتها شركة «اقتصاديات السياحة» التابعة لمجموعة «أوكسفورد للاقتصاد».
بتكليف من لجنة استضافة البطولة، تجاوز الرقم التوقعات السابقة البالغة 3.3 مليارات دولار، لكنه يفتح سؤالًا أهم من حجم العائد نفسه: هل كل هذا النشاط يمثل مكاسب حقيقية للسكان، أم أن المونديال كان قبل كل شيء آلة ضخ أموال في قطاعات الأعمال والسياحة؟
فالـ3.5 مليارات ليست أرباحًا صافية دخلت خزائن المدينتين، وإنما مجموع تأثير اقتصادي نتج عن إنفاق مباشر وغير مباشر وتأثيرات إضافية على الاقتصاد المحلي، وحده الإنفاق المباشر بلغ نحو “1.9 مليار دولار”، فيما دعمت البطولة “27,424 وظيفة” بدوام كامل وجزئي، وولدت نحو “1.4 مليار دولار من دخل العمل” .
645 ألف مشجع.. لكن القصة أكبر من الملعب
كان ملعب ميتلايف في نيوجيرسي مركز الثقل في هذه المعادلة، بعدما استضاف “ثماني مباريات”، بينها المباراة النهائية في 19 يوليوز، واستقبل أكثر من 645 ألف مشجع، غير أن الأثر الحقيقي امتد إلى ما هو أبعد من بوابات الملعب، مع تدفق الزوار على الفنادق والمطاعم والمتاجر ووسائل النقل ومختلف الأنشطة المرتبطة بالسياحة.
وهنا تكمن قوة كرة القدم اقتصاديًا: فالمشجع الذي يدفع ثمن التذكرة لا يستهلك مباراة فقط؛ إنه يحجز غرفة، و يتنقل، ويأكل، ويتسوق ويزور المدينة… لذلك توزعت مكاسب المونديال على سلسلة واسعة من القطاعات، بدل أن تبقى محصورة في المؤسسة الرياضية.
الوظائف.. الوجه الذي يهم المواطن
إذا كان رقم المليارات مغريًا للسياسيين، فإن رقم الوظائف أكثر أهمية اجتماعيًا، فقد دعمت البطولة أكثر من 27 ألف وظيفة، وبلغ دخل العمل المرتبط بها نحو 1.4 مليار دولار، وهذا يعني أن جزءًا من الأموال المتدفقة عبر السياحة والخدمات انتقل إلى العمال والأسر، خصوصًا في قطاعات الإيواء والمطاعم والنقل والترفيه.
لكن هنا أيضًا يجب الحذر من المبالغة، فالوظائف المرتبطة بحدث عالمي قصير المدى ليست بالضرورة وظائف دائمة، كما أن النشاط السياحي الاستثنائي قد يتراجع بعد انتهاء البطولة، لذلك فإن الاختبار الحقيقي ليس عدد الوظائف التي خلقها المونديال خلال أسابيعه، وإنما “ما الذي سيبقى منها بعد مغادرة آخر مشجع؟”
414 مليون دولار.. والخزينة أيضًا رابح
لام يكن القطاع العام خارج المعادلة، فقد ولدت البطولة نحو 414.2 مليون دولار من الإيرادات الضريبية على مستوى الولاية والسلطات المحلية، وبذلك لم تكن الاستضافة مجرد إنفاق على الأمن والنقل والبنية التنظيمية، بل وفرت كذلك موارد مالية عامة مرتبطة بالنشاط الاقتصادي والسياحي.
لكن هذه النقطة تحديدًا تستحق تدقيقًا سياسيًا أكبر: فارتفاع الإيرادات الضريبية لا يعني تلقائيًا أن الصفقة كانت مربحة للخزينة، فالحساب الصحيح يتطلب وضع هذه الإيرادات في مواجهة كل النفقات العامة المرتبطة بالأمن والنقل والخدمات والبنية التحتية والتنظيم. وبالتالي، فإن قياس النجاح لا ينبغي أن يتوقف عند سؤال “كم أنفق الزوار؟”، بل يجب أن يصل إلى سؤال أكثر حساسية: كم كلف دافعو الضرائب استضافة هذا الحدث؟
المونديال كاستثمار في صورة نيويورك
ومع ذلك، سيكون من الخطأ اختزال البطولة في حساب مصرفي، فاستضافة النهائي أمام جمهور عالمي منحت نيويورك ونيوجيرسي فرصة نادرة لتسويق صورتهما كوجهة سياحية وتجارية عالمية،كما منح والحدث الشركات المحلية، خصوصًا الصغيرة والمتوسطة، فرصة للوصول إلى ملايين الزوار، كما عزز حضور المنطقة في المنافسة على السياحة والاستثمارات الدولية..
بعد المونديال تبدأ المعركة الحقيقية
لكن النجاح الاقتصادي الحقيقي لن يُحسم في جداولأوكسفورد إيكونوميكس”Oxford Economics”، بل سيُحسم في السنوات المقبلة.. التي لن تجيب عن : “هل ربح المونديال نيويورك ونيوجيرسي 3.5 مليارات دولار؟” بل: “من ربح هذه المليارات، ومن دفع كلفة صناعتها، وكم بقي منها فعلًا في الاقتصاد المحلي؟”





