الرئسيةسياسة

المنصوري ولقجع.. حين تتحدث الحكومة معارضة

لم تجد فاطمة الزهراء المنصوري، منسقة القيادة الجماعية للأمانة العامة لحزب الأصالة والمعاصرة، حرجاً في استحضار مأساة زلزال الحوز في خضم السجال الانتخابي، وهي ترد على خصومها في حزب التجمع الوطني للأحرار.

لكن ما قد يبدو هجوماً انتخابياً عادياً سرعان ما يتحول إلى مفارقة سياسية، عندما يصدر عن مسؤولة حكومية كانت، ولا تزال، جزءاً من السلطة التي يفترض أن تُقيّم حصيلتها أمام المواطنين.

خلال لقاء تواصلي بأزيلال، رفضت المنصوري ما سمته «صراع الأوصاف»، ودعت إلى جعل البرامج والبدائل والحلول العملية محور التنافس الانتخابي. غير أنها، في المقابل، فتحت مواجهة مباشرة مع وزراء «الأحرار»، مستحضرة سؤال الحضور يوم ضرب زلزال الحوز سنة 2023: «أين كنتم يوم ضرب الزلزال هذه الأرض السعيدة؟ أين كنتم يوم كان المغاربة يموتون؟ وأين كان تضامنكم؟».

المفارقة أن هذا السؤال لا يطال فقط الخصوم السياسيين، بل يعود أيضاً على أصحاب القرار أنفسهم. فالمنصوري لم تكن يومها مجرد قيادية حزبية تتحدث من خارج السلطة، بل كانت وزيرة في الحكومة، كما أن حزبها كان شريكاً في الأغلبية الحكومية.

الحوز.. ذاكرة انتخابية أم مسؤولية حكومية؟

تستحضر المنصوري حضور «البام» في الميدان خلال الزلزال باعتباره دليلاً على قرب الحزب من المواطنين، وتقول إن نزول قياداته إلى المناطق المتضررة كان بدافع المواطنة والمسؤولية قبل الصفة الحكومية.

لكن الضحايا لا يتذكرون فقط من زارهم ومن وقف إلى جانبهم في الأيام الأولى للكارثة، وإنما يتذكرون أيضاً ما حدث بعد انقضاء لحظة التضامن الأولى.

ففي الوقت الذي تدخل فيه مأساة الحوز اليوم دائرة التنافس الانتخابي، لا تزال قضية السكن وإعادة الإعمار حاضرة في حياة عدد من الأسر المتضررة، وبعضها لم يصل بعد إلى الاستقرار السكني الذي كان ينتظره منذ الزلزال.

وهنا تصبح المسألة أكثر حساسية بالنسبة إلى المنصوري تحديداً، باعتبار أن قطاع السكن كان ضمن دائرة مسؤوليتها الحكومية. ولذلك فإن استحضار الزلزال انتخابياً يفتح سؤالاً معاكساً: إذا كان حضور الحزب في الميدان دليلاً على قوته، فماذا عن حصيلة تدبير ملف السكن وإعادة الإيواء؟

أين كان السياسيون؟ وأين هم اليوم؟

تقول المنصوري إن «البام يعاشر المواطن ويعيش معه كل الأزمات»، وإن قوته تكمن في وجوده الدائم في الميدان وليس فقط في مواسم الانتخابات.

لكن هذه العبارة نفسها تستدعي اختبارا بسيطا: ماذا بقي من هذا الحضور لدى الأسر التي لا تزال تنتظر حلا نهائيا لوضعها السكني؟

فالمأساة لا تنتهي بانتهاء الزيارات الميدانية، ولا تُقاس المسؤولية بعدد الصور والتصريحات التي رافقت الأيام الأولى للزلزال، وإنما بما إذا كان المواطن قد استعاد بيته وحياته الطبيعية بعد ثلاث سنوات تقريبا من الكارثة.

وهنا تحديدا يصبح الحديث عن «القرب من المواطن» أكثر من شعار انتخابي؛ إنه وعد يمكن قياسه بالنتائج.

المنصوري تنتقد «الصراعات» وتخوض مواجهة مع «الأحرار»

المفارقة الثانية في خطاب المنصوري أنها دعت إلى حملة تقوم على «الشعارات والبرامج بدل حملة الصراعات»، لكنها في الوقت نفسه اختارت الرد على خصومها بلغة شديدة اللهجة، مستحضرة غيابهم المفترض عن مشهد الزلزال.

لا يتعلق الأمر هنا بالدفاع عن حزب التجمع الوطني للأحرار أو عن أي طرف سياسي، وإنما بالسؤال عن حدود الخطاب الانتخابي عندما تكون الأحزاب المتصارعة جزءاً من الحكومة نفسها.

فـ«البام» و«الأحرار» ليسا حزبين يقف أحدهما في الحكومة والآخر في المعارضة؛ إنهما شريكان في تدبير السلطة. ولذلك فإن تبادل الاتهامات بينهما لا يمكن أن يخفي حقيقة أن المواطنين سيضعون حصيلة الأغلبية بأكملها على طاولة المساءلة.

لقجع.. وزير الميزانية يتحدث عن القدرة الشرائية

المفارقة لا تتوقف عند المنصوري. ففي اللقاء نفسه، تحدث فوزي لقجع عن القدرة الشرائية ودعم الطبقة المتوسطة، ودعا إلى تخفيف العبء الضريبي عن الأجراء والموظفين وتحسين دخولهم، فضلاً عن توفير خدمات أفضل في التعليم والسكن.

كلها مطالب تبدو وجيهة بالنسبة إلى المواطن، لكن موقع المتحدث يمنحها معنى مختلفاً.

فلقجع ليس قيادياً حزبياً يتحدث من مقاعد المعارضة، بل هو وزير مكلف بالميزانية داخل الحكومة نفسها. وبالتالي، عندما يتحدث عن تخفيف الضرائب وتحسين القدرة الشرائية، فإن السؤال لا يتعلق فقط بما سيقترحه الحزب مستقبلاً، وإنما بما أنجزه أو لم ينجزه خلال وجوده في موقع القرار.

هل يقدم لقجع برنامجا انتخابيا جديدا، أم يقدم اعترافا ضمنيا بأن ما هو قائم يحتاج إلى تغيير؟

من يحاسب من؟

المشكلة الأساسية في الخطاب الانتخابي الذي بدأ يخرج من داخل الأغلبية أن الأحزاب الحكومية تريد، في الوقت نفسه، أن تقدم نفسها كجزء من السلطة وكبديل عنها.

فالمنصوري تتحدث عن «المغرب بسرعتين» وتدعو إلى الثقة في «البام» لأنه لم يسبق له أن قاد الحكومة، لكنها تتحدث من موقع وزيرة في حكومة يقودها أخنوش.

ولقجع يتحدث عن الضرائب والقدرة الشرائية والطبقة المتوسطة، بينما يتحمل بحكم منصبه مسؤولية مباشرة في صياغة وتنفيذ السياسة المالية والميزانياتية للحكومة.

وهكذا يبدو المشهد وكأن بعض مكونات الحكومة تستعد للانتخابات عبر خطاب يشبه خطاب المعارضة، من دون أن تتخلى عن مواقعها داخل السلطة.

الاختبار الحقيقي.. ماذا بعد الخطاب؟

مع اقتراب الانتخابات، لن يكون كافيا بالنسبة إلى الناخب أن يسمع وعودا جديدة أو أن يشاهد الأحزاب وهي تتبادل الاتهامات حول من كان أكثر حضورا في الأزمات.

السؤال الأكثر إلحاحا سيكون عن الحصيلة: ماذا تحقق؟ ماذا تعثر؟ ولماذا؟ ومن يتحمل المسؤولية؟

اقرأ أيضا…

زلزال الحوز لم ينتهِ..الأحزاب مطالبة بالموقف

وفي حالة زلزال الحوز تحديدا، لا تكفي الإشارة إلى التضامن في الأيام الأولى، لأن الأسر التي ما زالت تعاني من تداعيات فقدان السكن لا تعيش على ذاكرة الزيارات والتصريحات، وإنما تنتظر حلاً فعلياً.

ومن هنا، فإن دعوة المنصوري إلى «حملة البرامج بدل حملة الصراعات» قد تكون في محلها، لكن تطبيقها يبدأ من مكان آخر: من تقديم حصيلة واضحة للمواطنين قبل تقديم وعود جديدة لهم.

أما لقجع، فإن الحديث عن تخفيف العبء الضريبي وتحسين القدرة الشرائية سيكون أكثر إقناعا إذا اقترن أولا بتفسير ما الذي منع الحكومة، خلال ولايتها، من الوصول إلى النتائج التي يقول اليوم إن المواطن يحتاج إليها.

في النهاية، قد لا تكون المعركة المقبلة بين «من كان حاضرا ومن كان غائبا» فقط، وإنما بين من يملك خطابا انتخابيا جيدا ومن يستطيع الدفاع عن حصيلة يمكن للمواطن أن يلمسها في حياته اليومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى