
على بعد أيام من الانتخابات التشريعية لسنة 2026، اختار حزب الاتحاد الدستوري رفع سقف خطابه الانتخابي بشعار «المغرب بسرعة واحدة»، مقدما برنامجا يقول إنه يستهدف معالجة عدد من الاختلالات التي تثقل كاهل المغاربة، من غلاء الأسعار وضعف القدرة الشرائية، إلى أزمة التشغيل وتراجع جودة المدرسة العمومية وصعوبات الولوج إلى العلاج.
لكن الحزب لا يكتفي بتشخيص الأعطاب، بل يقدم نفسه كصاحب حلول تمتد من محاربة «الشناق» و«الفراقشية» إلى إنشاء ملف طبي موحد لكل مغربي، وربط التحفيزات الاستثمارية بخلق فرص الشغل، وإعادة توجيه الفلاحة نحو السوق الداخلية.
وبين سقف الوعود وثقل الواقع، يبرز السؤال الانتخابي التقليدي: هل يحمل البرنامج أدوات تنفيذ فعلية، أم أن الأمر يتعلق بتشخيص جديد لأزمات يعرفها المغاربة منذ سنوات، مرفقا بوعود انتخابية جديدة؟
الأسعار.. هل انتهى زمن «الشناق» بالوعود؟
في ملف القدرة الشرائية، اختار الاتحاد الدستوري الدخول مباشرة إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية لدى الناخب المغربي: الأسعار.
الحزب يقترح تقليص حلقات الوساطة، وتشديد مراقبة الأسواق ومسالك التوزيع، ومحاربة المضاربة والاحتكار، وتقوية الإنتاج الوطني للمواد الأساسية.
ويستحضر البرنامج كلمات من القاموس اليومي للمغاربة، مثل «الشناق» و«الفراقشي»، في محاولة لتسمية أحد المتهمين في رحلة ارتفاع الأسعار.
لكن المواطن، الذي يواجه فاتورة معيشة متزايدة، قد لا يكتفي بمعرفة اسم المشكلة. السؤال الذي ينتظر جوابا أكثر دقة هو: من سيراقب؟ ومن سيحاسب؟ وكيف ستنعكس هذه الإجراءات فعليا على الأسعار؟
الفلاحة.. من التصدير إلى إطعام المغاربة؟
يقترح الاتحاد الدستوري توجيه الفلاحة بدرجة أكبر نحو تلبية الطلب الداخلي، مع إعطاء الأولوية للمواد الأساسية وتقليص التبعية الغذائية.
ويضع الحزب الأمن الغذائي في خانة السيادة الوطنية، خصوصا أمام التقلبات المناخية والأزمات الدولية، داعيا إلى تطوير الصناعات الغذائية وإنشاء وحدات تحويل قريبة من مناطق الإنتاج ودعم الفلاحين الصغار والمتوسطين.
غير أن هذا الطرح يعيد إلى الواجهة سؤالا أكبر من مجرد الوعود الانتخابية: هل ستصبح السياسة الفلاحية موجهة أولا إلى حاجيات المغاربة، أم ستظل معادلتها محكومة أيضا بمنطق الأسواق الخارجية والتصدير؟
الطاقة.. وعود بالتحرر من تقلبات الخارج
في قطاع الطاقة، يتعهد الحزب بتسريع الاستثمار في الطاقات المتجددة، خصوصا الشمسية والريحية، وتشجيع الإنتاج الذاتي وتحسين النجاعة الطاقية وتحديث البنيات التحتية.
ويقدم ذلك باعتباره مدخلا لتعزيز الأمن الطاقي وتقليص كلفة الإنتاج وحماية الاقتصاد من صدمات الأسواق الدولية.
لكن أزمة الطاقة لا تُقاس فقط بعدد المشاريع المعلنة، بل بمدى قدرة هذه السياسات على الوصول إلى فاتورة المواطن وتكلفة المقاولة والأسعار النهائية للسلع والخدمات.
التشغيل.. الاستثمار مقابل ماذا؟
يريد الاتحاد الدستوري تغيير معادلة التحفيزات الاستثمارية عبر ربطها بخلق فرص الشغل، وتوجيه مزيد من الاستثمارات نحو القطاعات القادرة على توفير مناصب عمل.
كما يقترح تطوير التكوين المستمر وإعادة التأهيل المهني ودعم التشغيل الذاتي والمقاولة وتحديث الوساطة في سوق الشغل.
وتبدو الوصفة جذابة على الورق، خصوصا بالنسبة إلى الشباب الباحث عن فرصة، لكن المعضلة تكمن في السؤال الأصعب: هل تستطيع التحفيزات وحدها خلق وظائف مستقرة وجيدة، أم أن المشكلة أعمق من مجرد امتيازات تقدم للمستثمرين؟
الصحة.. «ملف طبي موحد» في مواجهة طوابير الانتظار
في الصحة، يرفع الاتحاد الدستوري شعار تبسيط المواعيد وتقليص آجال الانتظار، مع الرفع من ميزانية القطاع وتقوية البنيات الصحية في المناطق النائية.
أما أبرز وعوده، فتتمثل في إنشاء ملف طبي موحد لكل مغربي، إلى جانب تعزيز التغطية الصحية وتقديم تحفيزات ضريبية للمهنيين العاملين في المناطق النائية.
غير أن رقمنة الملف الطبي، مهما كانت أهميتها، لن تحل وحدها أزمة القطاع إذا ظل المواطن يبحث عن الطبيب والتجهيزات والدواء والموعد قبل أن يبحث عن ملفه الطبي.
التعليم.. إصلاح جديد لمدرسة لم تخرج من دائرة الإصلاح
في التعليم، يتحدث الحزب عن إصلاح عميق وشامل، ومراجعة البرامج والمناهج، وتعزيز اللغات والمهارات الرقمية، وتعميم تعليم أولي جيد.
كما يتعهد بإعادة الاعتبار للمدرسة العمومية وتحسين ظروف هيئة التدريس وتأهيل البنيات التحتية وربط التكوين بسوق الشغل.
لكن ملف التعليم نفسه يحمل مفارقة واضحة: منذ سنوات والمغاربة يسمعون عن إصلاح الإصلاح، بينما تستمر المدرسة العمومية في مواجهة أسئلة الجودة والإنصاف والموارد البشرية.
وهنا لا يكفي الإعلان عن مراجعة المناهج؛ المطلوب هو معرفة ما الذي سيتغير فعليا داخل القسم، وفي حياة التلميذ والأستاذ.
السجون.. ماذا بعد انتهاء العقوبة؟
في مقاربة لافتة، يركز الحزب على إعادة إدماج السجناء والمفرج عنهم، معتبرا أن العقوبة لا ينبغي أن تنتهي عند بوابة السجن.
ويقترح تعزيز التأهيل داخل المؤسسات السجنية، وإعداد السجين لما بعد الإفراج، ودعم الإدماج المهني والمواكبة الاجتماعية ومحاربة الوصم.
وهي مقاربة تضع مسألة إعادة الإدماج في قلب السياسة العقابية، باعتبارها وسيلة للحد من العودة إلى الجريمة، وليس مجرد ملف اجتماعي هامشي.
التقاعد.. الاستدامة دون دفع المتقاعد الثمن؟
في ملف التقاعد، يقدم الاتحاد الدستوري معادلة تبدو سهلة في الخطاب وصعبة في التطبيق: استدامة مالية لصناديق التقاعد مع الحفاظ على القدرة الشرائية للمتقاعدين.
ويتعهد بتحسين التغطية الاجتماعية والصحية وتبسيط المساطر وتثمين مكانة المتقاعدين داخل المجتمع.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا أكثر إلحاحا: من سيدفع فاتورة الإصلاح؟
فكل حديث عن استدامة صناديق التقاعد يفتح بالضرورة ملف الاشتراكات، وسن التقاعد، وقيمة المعاشات، ومصادر التمويل، وهي ملفات لا يكفي فيها إطلاق الوعود، بل تحتاج إلى قرارات واضحة قد تكون مكلفة سياسيا واجتماعيا.
«المغرب بسرعة واحدة».. لكن إلى أين؟
يقدم الاتحاد الدستوري برنامجا واسعا، يلامس تقريبا معظم الملفات التي تشغل المواطن المغربي، ويستخدم لغة أقرب إلى انتظارات الشارع: الأسعار، «الشناق»، فرص الشغل، الصحة، المدرسة، الطاقة والتقاعد.
غير أن كثرة الملفات لا تعني بالضرورة قوة البرنامج، كما أن تشخيص المشاكل لا يمثل في حد ذاته إنجازا، خصوصا أن أغلب هذه الأزمات ظلت حاضرة في النقاش العمومي والحكومي منذ سنوات.
الاختبار الحقيقي سيكون في التفاصيل التي لا تظهر كثيرا في الشعارات: كم ستكلف هذه الوعود؟ من سيمولها؟ ما آجال تنفيذها؟ وما المؤشرات التي سيحاسب عليها الحزب إذا وصل إلى موقع القرار؟
وبذلك، قد لا يكون السؤال الأهم هو ما إذا كان المغرب يحتاج إلى «سرعة واحدة»، بل هل يملك الاتحاد الدستوري فعلا محرك هذه السرعة، أم أن الشعار أسرع من القدرة على التنفيذ؟





