
يعود حزب العدالة والتنمية إلى السباق الانتخابي ببرنامج واسع يضع الملفات الاجتماعية في واجهة معركته السياسية، مقدما 467 إجراء يقول إنها تستهدف معالجة عدد من الاختلالات التي تمس الحياة اليومية للمغاربة، من ارتفاع الأسعار وكلفة المحروقات إلى أوضاع المستشفيات والمدارس وفرص الشغل والسكن.
البرنامج لا يكتفي بتقديم شعارات عامة، بل يتضمن مجموعة من المقترحات التفصيلية، بينها تسقيف هوامش أرباح شركات المحروقات، إعادة تشغيل مصفاة «سامير»، وضع سقف لما تتحمله الأسر من مصاريف العلاج، مراجعة معايير الدعم الاجتماعي، وتوسيع خدمات التعليم والسكن والتشغيل.
وفي الوقت نفسه، لا يخفي الأمين العام للحزب عبد الإله ابن كيران أن الوصول إلى الحكومة لا يعني بالضرورة القدرة على تنفيذ البرنامج كاملاً، بالنظر إلى طبيعة النظام الانتخابي وصعوبة حصول حزب واحد على الأغلبية المطلقة.
وبحسب ابن كيران، فإن البرنامج سيكون في حال تصدر الحزب للانتخابات أساساً للتفاوض مع الأحزاب التي قد تشاركه تشكيل الحكومة، بينما سيحتفظ بقيمته السياسية كمرجع للحزب في حال انتقاله إلى المعارضة.
الغلاء.. مواجهة الوسطاء والمضاربة
يضع الحزب القدرة الشرائية في مقدمة الملفات التي يقترح معالجتها، من خلال تغيير طريقة تدبير الأسواق ومسالك توزيع المواد الأساسية.
ويقترح البرنامج إعادة تنظيم أسواق الجملة وتقليص عدد الوسطاء الذين يعتبرهم غير منتجين، إلى جانب إنشاء لجان إقليمية دائمة لمراقبة الأسعار والجودة، وتشديد العقوبات على الاحتكار والمضاربة والتخزين والتواطؤ.
كما يركز على حماية المستهلك، عبر تعزيز صلاحيات جمعيات حماية المستهلك وتشديد مراقبة التجارة الإلكترونية والإعلانات المضللة، وفرض قدر أكبر من الشفافية في الأسعار والتخفيضات والعروض التجارية.
المحروقات.. تسقيف الأرباح وإحياء «سامير»
يخصص البرنامج حيزاً مهماً للمحروقات، باعتبار انعكاس أسعارها المباشر على ميزانية الأسر وكلفة النقل وأسعار السلع.
ويقترح الحزب إحداث نظام دائم لتتبع وضبط وتسقيف هوامش أرباح شركات استيراد وتوزيع المحروقات، مع نشر نتائج عمليات المراقبة للرأي العام.
وفي المقابل، يعيد العدالة والتنمية ملف مصفاة «سامير» إلى الواجهة، داعياً إلى معالجة العراقيل القانونية والعملية التي تحول دون إعادة تشغيلها، بالتوازي مع تطوير قدرات المغرب في التخزين والتكرير.
ويقدم الحزب هذا الخيار باعتباره وسيلة لتعزيز الأمن الطاقي وتقوية المنافسة والتقليل من تأثير تقلبات أسعار الطاقة في الأسواق العالمية.
الصحة.. من يدفع فاتورة العلاج؟
في القطاع الصحي، يقترح الحزب وضع سقف سنوي للمصاريف التي تتحملها الأسر بشكل مباشر، مع تخفيض أو إلغاء الجزء المتبقي من تكلفة العلاج بالنسبة إلى المصابين بالأمراض المزمنة والمكلفة والفئات الهشة.
كما يتضمن البرنامج مقترحات لإعادة النظر في منظومة التغطية الصحية، من بينها معالجة وضعية المستفيدين السابقين من «راميد»، وإعادة التغطية الصحية للطلبة بشكل مستقل عن وضعية آبائهم، وإدراج الوالدين ضمن حقوق المؤمن لهم.
ويقترح كذلك تحديد آجال قصوى لمعالجة ملفات التأمين الصحي وصرف التعويضات.
«أمو تضامن».. مواجهة تمدد القطاع الخاص
ينتقد الحزب توجه جزء كبير من أموال منظومة التغطية الصحية نحو القطاع الخاص، معتبراً أن ذلك يتم على حساب المستشفى العمومي.
وفي هذا السياق، قال القيادي في الحزب مصطفى الخلفي إن الاعتمادات المرتبطة بالنظام الذي سبق «أمو تضامن» انتقلت، وفق المعطيات التي قدمها، من حوالي ملياري درهم إلى نحو 9.5 مليارات درهم، مشيراً إلى أن 79 في المائة منها تذهب إلى القطاع الخاص.
ويقترح الحزب، مقابل ذلك، تخصيص اعتمادات سنوية مباشرة للمستشفيات والمراكز الصحية العمومية، وربط هذه الموارد بتحسين جودة الاستقبال والعلاج والخدمات المقدمة للمواطنين.
الدعم الاجتماعي.. تغيير قواعد الاستفادة
يعتبر العدالة والتنمية أن طريقة احتساب الاستحقاق في برامج الدعم الاجتماعي المباشر تحتاج إلى مراجعة، خصوصاً بالنسبة للفئات التي قال إنها خرجت من دائرة الاستفادة بسبب المعايير الحالية.
ويقترح الحزب اعتماد مؤشرات إضافية تشمل الدخل والعبء العائلي والإعاقة والأمراض المزمنة، بدل الاقتصار على مؤشرات مرتبطة بالاستهلاك وبعض التجهيزات والخدمات المنزلية.
كما يدعو إلى إنشاء لجان إقليمية مستقلة للنظر في التظلمات، مع تحديد أجل أقصاه 30 يوماً للبت فيها، وعدم وقف الدعم خلال فترة دراسة الطلب.
ويشمل البرنامج أيضاً إجراءات تستهدف أكثر من 54 ألف أرملة، بحسب أرقام الحزب، إضافة إلى أكثر من مليون تلميذ وتلميذة كانوا يستفيدون من برنامج «مليون محفظة».
كما يقترح الحزب دعماً إضافياً للأشخاص في وضعية إعاقة، يراعي درجة الإعاقة وكلفة الرعاية.
المدرسة.. تعميم «مدارس الريادة»
في التعليم، يدافع الحزب عن نموذج «مدرسة عمومية موحدة وذات جودة»، معتبراً أن التجارب التعليمية الناجحة ينبغي ألا تظل محصورة في مؤسسات محددة.
وقال مصطفى الخلفي إن موقف الحزب لا يقوم على إلغاء «مدارس الريادة»، وإنما على تعميم النموذج على مختلف مناطق المغرب، حتى لا تتحول الاستفادة من جودة التعليم إلى امتياز مرتبط بمؤسسات بعينها.
ويقترح البرنامج تعميم التعليم الأولي، مع إعطاء الأولوية للعالم القروي والمناطق الهشة، وإدماجه تدريجياً في التعليم الابتدائي.
أما مواجهة الهدر المدرسي، فتستهدف خصوصاً الفتيات في المناطق القروية والنائية، من خلال النقل المدرسي والداخليات والدعم الاجتماعي وتتبع التلاميذ المهددين بالانقطاع.
الاكتظاظ والهدر.. معالجة من داخل الفصل
يتضمن البرنامج إجراءات مرتبطة بالحياة اليومية داخل المؤسسات التعليمية، من بينها تقليص الاكتظاظ والأقسام المشتركة، وتوفير حصص للدعم والمعالجة التربوية.
كما يقترح إطلاق برنامج وطني لتحسين التحكم في القراءة والكتابة والرياضيات خلال المرحلة الابتدائية، وتجهيز المؤسسات بالمكتبات والقاعات الرقمية والمختبرات والفضاءات الرياضية.
ويمتد التصور إلى البرمجة والذكاء الاصطناعي واللغات، مع اعتماد العربية لغة أساسية للتدريس، واستعمال التناوب اللغوي في بعض المواد العلمية والتقنية بنسبة لا تتجاوز 30 في المائة، إلى جانب تطوير تدريس الأمازيغية واللغات الأجنبية.
الشباب.. أولوية لمن لا يدرسون ولا يعملون
في سوق الشغل، يركز الحزب على فئة الشباب الذين لا يدرسون ولا يعملون ولا يتابعون تكويناً، المعروفة بـ«NEET».
ويقترح وضع سياسة خاصة بهذه الفئة تجمع بين التكوين والمواكبة الاجتماعية والاندماج المهني وتشجيع المبادرة الفردية والمقاولة.
كما يدعو إلى إعادة تصميم برامج التشغيل لتصبح أكثر ارتباطاً بحاجيات سوق الشغل، مع فرض مواكبة لمدة 24 شهراً للمستفيدين من برامج دعم إنشاء المقاولات.
وفي التكوين المهني، يقترح رفع الطاقة الاستيعابية ومراجعة التخصصات بشكل دوري، وتوسيع التكوين بالتدرج داخل المقاولات، مع فتح مسارات جديدة مرتبطة بالاقتصاد الرقمي والأخضر والصناعات الجديدة ومهن الرعاية.
المقاولة.. قروض أقل تعقيداً
يقترح البرنامج أيضاً تخفيف الإجراءات أمام أصحاب المشاريع والمقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة.
ومن بين الإجراءات المقترحة تحديد سقف لعدد الوثائق المطلوبة للحصول على التمويل، ووضع آجال واضحة للرد على طلبات القروض، مع توفير تمويل بفوائد منخفضة وضمانات مبسطة.
كما يدعو الحزب إلى إعادة تنشيط برامج دعم المقاولات، وفي مقدمتها «انطلاقة».
السكن.. الدعم نحو الفئات الأكثر حاجة
في ملف السكن، يقترح الحزب مراجعة منظومة الدعم المباشر بهدف جعلها أكثر استهدافاً لمحدودي الدخل والشباب المقبلين على الزواج.
ويطرح في هذا الإطار تعبئة العقار العمومي وتشجيع التعاونيات السكنية غير الربحية، إلى جانب إعادة الامتيازات الضريبية للتعاونيات والوداديات والجمعيات السكنية، مع وضع آليات أكبر للتأطير والمراقبة.
أما في العالم القروي، فيدعو الحزب إلى تبسيط إجراءات البناء ومراجعة القوانين المنظمة له.
كما يتضمن البرنامج تعهداً بعدم إفراغ السكان دون توفير بديل لائق، وإطلاق برنامج لمعالجة المباني الآيلة للسقوط، خصوصاً في المدن العتيقة.
467 إجراء.. والاختبار الحقيقي يبدأ بعد الانتخابات
يقدم العدالة والتنمية برنامجه باعتباره محاولة لإعادة ترتيب عدد من الأولويات الاجتماعية والاقتصادية، واضعاً القدرة الشرائية والصحة والتعليم والتشغيل والسكن في مقدمة الملفات.
لكن كثرة الإجراءات واتساع نطاق الوعود يطرحان سؤالاً أساسياً يتجاوز صياغة البرنامج نفسه: هل تملك الحكومة المقبلة، أياً كان لونها، الإمكانات السياسية والمالية والمؤسساتية لتنفيذ هذه الالتزامات؟
الحزب نفسه يقر بأن تشكيل الحكومة المقبلة سيكون محكوماً بنتائج الانتخابات والتحالفات، وهو ما يجعل جزءاً من برنامجه مرتبطاً، في نهاية المطاف، بما ستفرزه صناديق الاقتراع وبموازين القوى داخل الأغلبية الحكومية المقبلة.





