الرئسيةسياسة

«ترانسبارانسي» ترصد الفساد..اليسار يقدم التفاصيل

في موسم انتخابي تتكاثر فيه الوعود، يبدو أن الفساد وجد لنفسه مكانا ثابتا في برامج الأحزاب السياسية.

محاربة الرشوة، وتضارب المصالح، والإثراء غير المشروع، والريع، واسترجاع الأموال المنهوبة، كلها عناوين حضرت في البرامج الانتخابية للاستحقاقات التشريعية لـ23 شتنبر.

لكن قراءة أولية أنجزتها الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة «ترانسبارانسي المغرب» تضع أمام هذه الوعود سؤالا أكثر إزعاجا: هل يتعلق الأمر بتحويل محاربة الفساد إلى سياسة عمومية واضحة، أم أن الأمر ما يزال في حدود الخطاب الانتخابي؟

فالجمعية رصدت تفاوتا كبيرا بين الأحزاب في طريقة تقديم الملف، وفي مستوى التفاصيل المتعلقة بالإجراءات المقترحة. والأكثر دلالة أن أربعة أحزاب فقط ردت، إلى حدود 15 شتنبر، على المراسلة التي وجهتها إليها الجمعية حول مواقفها من قضايا النزاهة ومحاربة الفساد.

الذين أجابوا هم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتقدم والاشتراكية، وفيدرالية اليسار الديمقراطي، والحزب الاشتراكي الموحد.

أما التجمع الوطني للأحرار، والأصالة والمعاصرة، والاستقلال، والعدالة والتنمية، والحركة الشعبية، والحركة الديمقراطية الاجتماعية، والاتحاد الدستوري، وجبهة القوى الديمقراطية، فلم تتوصل الجمعية بردود منها إلى ذلك التاريخ.

هنا تبدأ المفارقة: الفساد حاضر في البرامج، لكن ليس بالدرجة نفسها في الإجابات والتفاصيل والالتزامات القابلة للاختبار.

الوعود في الواجهة

لا تخفي «ترانسبارانسي المغرب» أهمية الحضور الذي حظي به ملف النزاهة في البرامج الانتخابية.

فالعديد من الأحزاب تتحدث عن الآثار الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية للفساد واقتصاد الريع، وتربط محاربته بالعدالة الاجتماعية، والاستثمار، والحكامة، وثقة المواطنين في المؤسسات.

لكن الجمعية لا تكتفي برصد الشعارات، بل تبحث في كيف يمكن بناء منظومة وطنية للنزاهة.

وهنا تبدأ الفوارق.

من «صفر تسامح» إلى «الفساد خط أحمر»

اختار حزب الاستقلال تخصيص محور مستقل لـ«محاربة الفساد والريع وتضارب المصالح»، متحدثا عن سياسة «صفر تسامح مع الفساد وتضارب المصالح».

ويقترح الحزب، وفق قراءة الجمعية، تكليف المجلس الأعلى للحسابات بالتحري ورصد الزيادة غير المبررة في الثروة، ووضع قانون يحدد بدقة حالات التنافي في مواقع القرار وقواعد التنحي الإجباري.

الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية اختصر موقفه في التزام انتخابي مباشر: «الفساد خط أحمر»، ضمن عشرين التزاما.

أما حزب التقدم والاشتراكية فرفع سقف خطابه، متحدثا عن «نفس ديمقراطي جديد ورفض تام ومطلق للفساد وتضارب المصالح والإثراء غير المشروع»، وجعل تخليق الحياة العامة أحد أهدافه الرئيسية.

وفي الجانب الآخر، يضع حزب العدالة والتنمية محاربة الفساد وتنازع المصالح واقتصاد الريع ضمن محاوره السياسية والاقتصادية.

اليسار يضع «تطهير الدولة»

تحالف اليسار، المكون من فيدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد، يذهب إلى صياغة أكثر تفصيلا، من خلال محور بعنوان: «تطهير الدولة والمجتمع من الفساد والريع».

المقترحات تشمل تجريم تضارب المصالح والإثراء غير المشروع واسترجاع الأموال المنهوبة.

ولا يتوقف البرنامج عند ذلك، إذ يقترح إحداث آلية «الصندوق الأعمى» لتدبير الأصول المالية للمسؤولين العموميين بشكل مستقل، مع فترة حياد تبلغ خمس سنوات.

كما يقترح إحداث «السجل الوطني للممتلكات»، عبر تجميع ومقاطعة معطيات المحافظة العقارية والضرائب والأبناك والبورصة.

حين يصبح الفساد بندا فرعيا

في برامج أخرى، لا يظهر الملف بالثقل نفسه.

الأصالة والمعاصرة أدرج تدابير مرتبطة بالنزاهة ومحاربة الفساد ضمن «ميثاق القدرة الشرائية» و«ميثاق النمو والاستدامة»، من دون تخصيص محور مستقل للموضوع.

الاتحاد الدستوري تناول محاربة الريع والاحتكار ضمن بند متعلق بتعزيز المنافسة الشريفة.

وجبهة القوى الديمقراطية أدرجت الموضوع كتدبير فرعي في ورشها المتعلق بالميثاق الوطني للنهوض بالمقاولة وتحديث الدولة الحاضنة.

أما الحركة الديمقراطية الاجتماعية، فتحدث برنامجها عن احترام القانون والحكامة والشفافية وتكافؤ الفرص، دون تفاصيل إجرائية إضافية حول محاربة الفساد.

وبالنسبة للتجمع الوطني للأحرار، تشير الجمعية إلى أن المقتطفات المتاحة من برنامجه ركزت على القدرة الشرائية وجودة الخدمات العمومية، دون بنود تفصيلية مخصصة لمكافحة الفساد.

وهنا لا يعود السؤال: هل تحدث الحزب عن الفساد؟ بل: ماذا اقترح فعليا لمحاربته؟

أربعة مفاتيح

رغم اختلاف البرامج، ترصد «ترانسبارانسي المغرب» أربعة أبعاد تكاد تشكل قاسما مشتركا بين عدد من التصورات الحزبية.

الأول هو القانون: تجريم تضارب المصالح والإثراء غير المشروع، وتوسيع التصريح الإجباري بالممتلكات.

الثاني هو الرقابة والقضاء: تقوية أدوار الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، والمجلس الأعلى للحسابات، ومجلس المنافسة، مع مقترحات لإحداث قضاء متخصص في جرائم المال العام وحماية المبلغين.

الثالث هو الرقمنة: رقمنة الإدارة والصفقات العمومية، وتقليص السلطة التقديرية، واعتماد قاعدة «سكوت الإدارة بمثابة موافقة».

والرابع هو الريع والمال العام: تحويل الرخص والامتيازات إلى دفاتر تحملات واضحة، ومحاربة الاحتكار، واعتماد الفوترة الإلكترونية وتتبع مسارات المال العام.

أرقام تنتظر من يحاسبها

بعض البرامج حاولت الذهاب أبعد من الشعارات إلى تحديد أهداف رقمية.

جبهة القوى الديمقراطية، مثلا، تتحدث عن الارتقاء بـ20 مرتبة عالميا في مؤشر إدراك الفساد بحلول 2031، وعن تحقيق 1.6 نقطة نمو إضافية سنويا بفضل الحكامة والرقمنة ومحاربة الفساد.

لكن الأرقام الانتخابية تطرح سؤالا آخر لا يقل أهمية عن إعلانها: من يحاسب على عدم تحقيقها؟

فالبرنامج السياسي لا يصبح سياسة عامة بمجرد نشره، كما أن الهدف الرقمي لا يتحول إلى التزام فعلي من دون آليات للمراقبة والتقييم وربط المسؤولية بالنتائج.

الصندوق الأعمى.. والسجل الوطني

من بين أكثر المقترحات تفصيلا التي رصدتها الجمعية، آلية «الصندوق الأعمى» التي يقترحها تحالف اليسار لتدبير أصول المسؤولين العموميين، والسجل الوطني للممتلكات.

التقدم والاشتراكية يقترح صندوقا للحماية القانونية والاجتماعية للمبلغين عن الفساد، إلى جانب تكوين سلك قضائي متخصص في تخليق الحياة العامة.

وحزب الاستقلال يقترح منح المجلس الأعلى للحسابات دورا في رصد الزيادة غير المبررة في الثروة، إلى جانب قواعد أكثر دقة للتنافي والتنحي.

هذه المقترحات تضع النقاش في منطقة مختلفة: ليس فقط كيف نصف الفساد، وإنما كيف نمنع تضارب المصالح، وكيف نراقب الثروة، وكيف نحمي من يكشف الفساد، وكيف نسترجع المال العام.

المشكلة ليست في التشخيص

يكاد يكون هناك اتفاق سياسي واسع على أن الفساد يضر بالاقتصاد والثقة والعدالة الاجتماعية.

المشكلة تبدأ في مكان آخر: من يملك الإرادة السياسية لتحويل التشخيص إلى قواعد ملزمة؟

فمحاربة الفساد ليست حملة انتخابية تنتهي بإغلاق صناديق الاقتراع. إنها قوانين، ومؤسسات رقابة، وقضاء، وشفافية في الصفقات، وقواعد لتضارب المصالح، وحماية للمبلغين، ومساءلة فعلية.

ومن دون هذه العناصر، يمكن أن يتحول «الفساد» إلى عنوان انتخابي آخر تتنافس الأحزاب على رفعه، فيما يبقى السؤال الحقيقي مؤجلا.

أربعة أجابوا.. والباقي؟

ربما تكون هذه إحدى أكثر خلاصات قراءة «ترانسبارانسي المغرب» إثارة للانتباه.

ففي الوقت الذي تضع فيه أغلب البرامج محاربة الفساد ضمن عناوينها بدرجات مختلفة، لم ترد سوى أربعة أحزاب على مراسلة الجمعية المتخصصة في مكافحة الرشوة.

عدم الرد لا يمكن، بحد ذاته، تفسيره باعتباره موقفا من الفساد، لكنه يظل معطى يستحق التسجيل في لحظة انتخابية يفترض أن تكون فيها البرامج والالتزامات قابلة للنقاش والمساءلة.

وفي النهاية، تكشف قراءة الجمعية عن معركة لم تعد تدور حول الاعتراف بوجود الفساد، وإنما حول سؤال أكثر صعوبة:

هل تستطيع الأحزاب الانتقال من شعار «محاربة الفساد» إلى بناء منظومة تجعل الفساد أكثر كلفة على من يمارسه، وأكثر قابلية للاكتشاف والمساءلة؟

فبين «صفر تسامح»، و«الفساد خط أحمر»، و«تطهير الدولة»، و«الحكامة»، يبقى الامتحان الحقيقي خارج الورق: في القانون، والمؤسسة، والرقابة، والمال العام، والمساءلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى